التوازن بين العرف القبلي والشرع: الحفاظ على الأصالة مع ضمان العدل

موقف الشرع من العرف القبلي
يحتوي التراث القبلي على مجموعة من القيم الحميدة التي نعتز بها، منها الكرم، والنخوة، والشجاعة، وإغاثة المحتاج، وإكرام الزائر، وصلة الأقارب، وحفظ الجوار، وإصلاح ذات البين، والدفاع عن المظلوم.
هذه القيم تمثل جزءًا من أصالة المجتمع ولا تتعارض مع الشريعة؛ بل إن كثيرًا منها يعكس مكارم الأخلاق التي دعا الإسلام إلى ترسيخها.
لكن الاعتزاز بالميراث لا يعني أن كل عادة تصبح حكماً ملزماً، ولا أن قدم العادة تمنحها أولوية على حكم الله؛ فالقاعدة الأساسية هي أن شرع الله فوق كل عرف وألا يُفضل أي حكم قبلي على حكم الشرع.
الصلح والإصلاح في ميزان الشرع
يُعتبر الإصلاح بين الناس من أبرز القيم في التراث القبلي، وقد حثّ القرآن على السعي إليه مشروطاً بالعدالة، حيث وصف الصلح بالخير وجعل ربطه بالعدل شرطاً لقبوله.
الصلح الحقيقي لا يكون على حساب المظلوم ولا بإهدار الحقوق ولا بفرض ما لا يشرعه الدين؛ بل يجب أن يعيد الحق، ويطفئ الخصومة، ويحافظ على الكرامة؛ أما إذا أدى إلى ظلم طرف أو إسقاط حق ثابت فيتطلب مراجعة وتصحيح.
الصلح الذي يقوم على العدل يُعتبر إصلاحاً محموداً، بينما الصلح الذي يقوم على الظلم لا يتوافق مع مقاصد الشريعة.
مسؤولية المشايخ وأهل الإصلاح
للمشايخ وأهل الإصلاح مكانة مؤثرة في المجتمع؛ كلمتهم مسموعة ودورهم في جمع الكلمة وإنهاء النزاعات وإصلاح ذات البين محل تقدير، لكن هذه المكانة تأتي بمسؤولية كبيرة.
المصلح الحقيقي يضع الحق أمام عينيه، ويجعل العدل ميزانه، ويهدف إلى رضا الله؛ والشيخ الذي ينصف المظلوم حتى لو كان من خارج قبيلته، ويمنح كل ذي حق حقه حتى لو كان الحق على قريبه، هو الذي يرفع شأن قبيلته ويحافظ على مكانتها.
الاعتزاز بالقبيلة لا يجب أن يتحول إلى تعصّب يجعل الإنسان ينصر قومه في الحق والباطل؛ فالنخوة الحقيقية تقف مع المظلوم، والوفاء الحقيقي ينصر الحق، والشرف الحقيقي يحفظ حقوق الناس لا يسقطها باسم العرف.
الأصالة الحقيقية لا تكمن في التمسك بكل ما ورثناه دون مراجعة، بل في معرفة قيمة الموروث، الحفاظ على الجميل منه، وترك ما يخالف الشرع أو يفضي إلى الظلم؛ لذا نحافظ على الكرم وحسن الضيافة، والشجاعة والنخوة، وإغاثة المحتاج، وتقدير الزائر، وتعزيز صلة الأقارب، وحفظ الجوار، وسعي الإصلاح بين الناس.
نريد مجتمعاً يحافظ على موروثه دون أن يجعل العادات تتجاوز الشريعة، فنحافظ على النخوة والإصلاح لكن بشروط العدل، ونحافظ على مكانة القبيلة بعيداً عن التعصب، ونضمن أن تكون العادات الجميلة ضمن إطار الشرع، ونراجع ما يخالفه ونصححه بالحكمة، لأن المسلم لا يقدم العادة على الحق ولا الانتماء على العدل، بل يحفظ أصالته ويصون حقوقه ويعتمد الشرع كأساس لكل إصلاح.



