التموضع المؤسسي.. رأس المال الغائب عن مجالس الإدارة

في كل مجلس إدارة توجد ملفات لا تترك للصدفة. تتولى لجنة المراجعة فحص القوائم المالية، وتراقب لجان المخاطر مواطن التهديد، وتدرس لجنة الترشيحات والمكافآت اختيار القيادات وتعويضاتها، فيما يجري نقاش الاستراتيجية ومتابعة مؤشرات الأداء على أعلى مستويات صنع القرار.
كل ذلك بديهي وضروري: فالأموال تحتاج إلى رقابة، والمخاطر إلى يقظة، والقيادات إلى اختيار دقيق.
غير أن طاولة القرار لا تزال تحتفظ بمقعد شاغر لملف يمكنه رفع قيمة المنظمة أو إهدار جزء منها في لحظة. من يقوم بمراجعة رأس المال الذي تنشئه المكانة والتموضع المؤسسي؟
المقصود ليس المظهر الإعلامي
ليس الحديث عن زيادة الظهور الإعلامي أو شن حملات اتصال صاخبة. المقصود هو رصيد الثقة المتراكم، وقيمة العلامة التجارية، ووضوح الهوية، وصلابة السردية، والموقع الذي تحتله الوزارة أو المنظمة أو الشركة في أذهان الجمهور وأصحاب المصلحة.
حين تقيّم الأسواق ما لا تقيده السجلات
عادة ما تبدأ قراءة القيمة من الأصول والموجودات والنتائج المالية، وهي مرتكزات لا غنى عنها في أي تقييم مالي أو استثماري، لكنها لا تحكي القصة كاملة. فقد يتقارب كيانان في حجم الأعمال والأداء المالي، ثم تتباعد قيمتهما بما بناه كل منهما من ثقة ومكانة وقدرة على التأثير.
قد لا تظهر هذه القيمة بنداً مستقلاً في القوائم المالية، لكنها حاضرة في مضاعفات التقييم، والقرارات الاستثمارية، وصفقات الاندماج والاستحواذ، وفي السعر الذي يقبل المستثمر دفعه مقابل اسم يثق به السوق ومكانة يصعب بناؤها من جديد.
الإيرادات وحدها لا تكفي لشرح تفوق كيان على آخر؛ فقراءة القيمة تمتد إلى انتشار الخدمات والمنتجات، وجودة التجربة، وثقة أصحاب المصلحة، وقوة العلامة.
الأرقام هنا تؤدي دور الشاهد. ففي قائمة Brand Finance Global 500 لعام 2026، احتفظت Apple بصدارة العلامات الأعلى قيمة عالمياً بقيمة بلغت 607.6 مليار دولار، وجاءت بعدها Microsoft ثم Google وAmazon. نحن لا نتحدث عن شعارات تساوي مئات المليارات، بل عن قيمة مالية تولدت عبر سنوات من الثقة، وجودة التجربة، والنفوذ في الأسواق، والارتباط الذهني.
ويكشف المشهد السعودي دلالة أقرب إلى واقعنا؛ فوفق المصدر نفسه، بلغت القيمة الإجمالية لأقوى مئة علامة سعودية 116.8 مليار دولار في عام 2025، ثم ارتفعت إلى 131.9 مليار دولار في عام 2026، بنمو سنوي بلغ 13%، أي بزيادة تقديرية تجاوزت خمسة عشر مليار دولار خلال عام واحد.
ولا تقف دلالة هذه الأرقام عند ترتيب العلامات؛ فهي تؤكد أن الحضور والثقة والتموضع باتت عناصر مؤثرة في قراءة القيمة، وجاذبية الاستثمار، وقدرة المنظمات وكبرى الشركات على النمو والتوسع. فالقيمة غير الملموسة ليست هامشاً يضاف إلى الأداء بعد اكتماله، بل جزء مما يمنحه وزنه في السوق.
عندما يصبح التموضع مشروع دولة
إذا كان التموضع يصنع فارقاً في قيمة المنظمات والشركات، فإن أثره على مستوى الدول أوسع وأعمق. ولعل المملكة تقدم اليوم واحداً من أوضح النماذج على إدارة المكانة بوصفها مشروعاً استراتيجياً، لا شأناً اتصالياً منفصلاً.
اعتدنا قراءة رؤية السعودية 2030 من زاوية التحول الاقتصادي، غير أن منجزاتها تكشف بُعداً يتجاوز الاقتصاد إلى إعادة تموضع المملكة في العالم. وقد عبر سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، عن مكامن هذه القوة حين وصف المملكة بأنها قلب العالمين العربي والإسلامي، وقوة استثمارية رائدة، ومركز ربط للقارات الثلاث.
وما نراه اليوم في الاستثمار والسياحة والثقافة والترفيه والرياضة والخدمات اللوجستية، وفي استضافة الأحداث العالمية، ليس ملفات متفرقة؛ إنه مشروع وطني أعاد تقديم المملكة للعالم، ونقلها من موقع المشاركة إلى موقع صناعة الاتجاه والتأثير فيه.
الدول، شأنها شأن المنظمات، لا تحصل على مكانتها بمجرد إعلان الطموح. فالمكانة تُبنى حين تتسق الرؤية مع القرار، ويجد القرار طريقه إلى التنفيذ، وتصاحب التنفيذ سردية تشرح للعالم ما يحدث. وقد أثبتت التجربة السعودية أن التموضع ليس صورة تُصنع بعد الإنجاز، بل جزء من صناعة الإنجاز نفسه.
المقعد الغائب عن طاولة القرار
وهنا نعود إلى مجالس الإدارة. لقد خصصت الحوكمة لجاناً للمراجعة والمخاطر والترشيحات والمكافآت، إدراكاً منها أن هذه الملفات أكبر من أن تُترك للمتابعة التنفيذية اليومية وحدها. فلماذا لا يحظى التموضع المؤسسي والإعلامي بالقدر ذاته من الاهتمام، وبمقعد واضح على طاولة القرار؟
ليست الدعوة هنا إلى استحداث لجنة شكلية، ولا إلى منح الاتصال المؤسسي والشؤون الإعلامية مقعداً بروتوكولياً في المجلس. المسألة أعمق من ذلك؛ فنحن أمام أصل مؤسسي مؤثر. ولهذا تبدو فكرة «لجنة التموضع المؤسسي والإعلامي» في مجالس الإدارات جديرة بالنقاش، بوصفها طرحاً حوكمياً لأصل مؤسسي بالغ الحساسية، يمتد أثره إلى قيمة المنظمة ومكانتها وقراراتها الكبرى.
فالحدود نفسها تغيرت؛ لم يعد المستثمر منفصلاً عن الرأي العام، ولم تعد الأسواق المالية بمنأى عن المشهد الاتصالي والإعلامي. ولم تعد السمعة المؤسسية نتيجة لاحقة للأداء، بل جزءاً من الأداء نفسه. لهذا أرى أن الوقت قد حان ليتقدم التموضع المؤسسي والإعلامي من هامش التنفيذ إلى طاولة القرار، وأن يصبح جزءاً أصيلاً من منظومة الحوكمة في الوزارات والمنظمات وكبرى الشركات.
وقد يستحق الطموح أن يذهب أبعد من مجالس الإدارة، نحو إطار وطني لحوكمة التموضع المؤسسي والإعلامي، يرفع جودة الممارسة، ويطور أدوات القياس، ويعزز الجاهزية، ويحمي السردية الوطنية، ويدعم حضور الوزارات والمنظمات وكبرى الشركات السعودية في المشهد العالمي.
فالدول التي تعيد تعريف موقعها في العالم تحتاج إلى منظومات تعرف كيف تحمي هذا الموقع، والمنظمات التي تصنع قيمة كبرى تحتاج إلى مجالس إدارة تدرك أن بعض رأس المال لا يُرى في القوائم، لكنه قد يكون أكثر ما يحدد قيمتها. وهنا يتحول السؤال الذي انطلق منه المقال إلى توصية تستحق أن توضع على طاولة القرار: أليس من حق رأس المال الذي تصنعه المكانة والثقة والتموضع المؤسسي أن يجد من يراجعه، ومن يحوكمه، ومن يحمي قيمته ويعظمها؟
*مختص في الاتصال المؤسسي والإعلام



