تأملات في القسوة الحنونة: حين يصبح الخشونة ضرورة للحياة

قد يزداد المرء دهشة حين يتأمل كيفية تحول القسوة بغلظتها وعنفوانها إلى معنى لطيف، ثم يعيشها كضرورة لا غنى عنها، متجاوزاً ما تثيره من مشاعر الألم والخوف والفزع. إنها قسوة تتخطى حدود اللفظ الجاف إلى حقيقة نحتاجها يومياً.
مشهد الفرس العالق في الطين
في مشهد نادر لا ترصده إلا عين الفطنة، يقف جواد في أوج قوته يحاول الخروج من وحل الطين الذي غاص فيه وعلق به، وكأنه مشدود بحبل غليظ إلى الأرض. كلما حاول النهوض ازداد غوصاً حتى بلغ الطين منتصف جسده. يلجأ إلى حيلة أخرى: يغرس رأسه بقوة في وجه الطين بقدرة قتالية هائلة، لعله يجد صلابة في الأرض، لكن دون جدوى. تتغير اتجاهات محاولاته بإمالة جسده يميناً ويساراً، لكنها كانت استجابة خطيرة قد تؤدي إلى فقدان حياته. من هذا المشهد الحسي المباشر تعلمت معنى القسوة الحنونة، واستلهمت قول الحق: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) الملك 15. فوجه الأرض قاسٍ ومستقر في مكانه كي لا تميد بنا، ولو كان عكس ذلك لعانينا الأمرين.
القسوة واللين: رؤية فلسفية أوسع
عندما نعتقد أن القسوة واللين متباعدان في مسارات الحياة المختلفة، فإننا نجانب الحقيقة الفلسفية للمعنى بنظرتنا الضيقة لكل وجه، ويكون فكرنا مرتبطاً بمدى وعينا العاطفي فقط، فنصدر أحكاماً على ظاهر الأشياء لا جوهرها. هذه الرؤية الاختزالية ترى في القسوة مولداً للخلاف والتنافر والتباعد، وفي اللين مساحة حميمية وألفة يدخلها الإنسان بطمأنينة وأمان. لكن هذا في حقيقة واقعه يقصي قدرتنا على الوعي الحقيقي؛ إنها رؤية ضيقة جعلت من القسوة نافذة صغيرة، وحيدت قدرتنا على التفكير الواعي في هذه المفاهيم الحياتية، وأوقفتنا على حدود الثابت المتعارف عليه لا المتغير تبعاً للظواهر والعلاقة مع العناصر المختلفة.
تغيير زاوية الرؤية: من القسوة إلى الحنو
حين نستسلم للفكرة الأولى للقسوة واللين، لا نجد أنفسنا أمام صورة الفرس العالق، بل نظل على صورة نمطية بوجهها القبيح الذي لا يتغير. هذا لا يمنحنا القدرة على التفكير لرؤية وجه القسوة الحنون، وهو ما قد يراه بعض الأبناء تجاه آبائهم، حين يعتبرون أنفسهم ضحية لقسوة الآباء. وحينما يكبرون تتغير زاوية الوعي لديهم، وتنتفي تهمة القسوة وتبرأ ساحة والده، ويدركون أنها المشرع الأهم للمستقبل وللمعاني والقيم والمثل العليا، بعد أن عاشوا وأدركوا وضع المسؤولية، وشعروا أنها قسوة تنزف دمعاً ودماً، وأنها مرحلة تعلموا منها معاني جميلة لثقافتنا.
جماع القول: القسوة الحنونة في ألوان الحياة
كان يهمني من هذا الطرح فهم الاتجاه الفلسفي للفكرة والمعنى. فعندما نتجول في فضاء معنى الكلمة ذهاباً وإياباً، ونجول من ضفة لأخرى، نجد أن المعنى يمنحنا البعد الفلسفي والمعرفي ثقافياً واجتماعياً واسعين، وأن الفكرة تتسع لمجالات أرحب وتتيح لنا رؤية معنى الجمال، وإن كان في القسوة نفسها. هذا ما يجعلنا ندرك ألوان الحياة وتنوعها، ومن ثم يتبلور لدينا حقيقة القسوة الحنونة.



