الرئيسيةكتاب و آراءالرفعة الحقيقية لا تقوم على تقويض...
كتاب و آراء

الرفعة الحقيقية لا تقوم على تقويض الآخرين

في مسيرة الحياة، نصادف أشخاصاً يعتقدون أن صعودهم لا يتم إلا بهبوط غيرهم، وأن نجاحهم يبدو أكثر إشراقاً حين ينتقصون من إنجازات المحيطين بهم، وأن صورتهم تزداد جمالاً إذا حاولوا تشويه صورة من يقف إلى جوارهم. لكنهم يغفلون عن حقيقة بسيطة للغاية: الشمس لا تحتاج إلى إطفاء النجوم لتثبت أنها الشمس.

جوهر الرفعة الأخلاقية

العلو الحقيقي لا يُبنى على أنقاض الآخرين، ولا يحتاج إلى كلمة جارحة أو انتقاص أو تقليل من شأن إنسان حتى يشعر المرء بأنه أكثر قيمة. الإنسان الواثق لا يخشى مدح غيره، ولا يضيق بنجاح أحد، ولا تؤلمه مكانة وصل إليها سواه؛ لأنه يدرك أن الأرزاق متفاوتة، وأن لكل إنسان مساره الخاص ووقته ونصيبه من الحياة.

ما أجمل أن تصل إلى مكانة رفيعة وتبقى روحك قريبة من الناس، وأن تنجح دون أن تتغير ملامح قلبك، وأن تتقدم دون أن تدفع أحداً إلى الخلف، وأن تملك القدرة على الرد فتختار الأدب، وتملك فرصة الانتقاص فتختار الصمت، وترى نجاح غيرك فتقول من صميم قلبك: يستحق. ذلك هو العلو الذي لا تصنعه المناصب ولا الأسماء ولا كثرة الظهور؛ بل تصنعه الأخلاق.

المواقف تكشف النفوس

أحياناً تكشف لنا المواقف حقيقة النفوس أكثر مما تفعل الكلمات. فمن كان كبيراً في داخله، يكبّر الآخرين معه، ومن كان يشعر بالنقص، قد يقضي عمره محاولاً تصغير من حوله. فلا تجعل قيمتك مرتبطة بإسقاط أحد.

ارتفع بعلمك، بأخلاقك، بإنجازك، بكلمتك الطيبة، وبالأثر الذي تتركه عندما تغادر المكان. ولا تقلق إن حاول أحدهم أن يقلّل من شأنك حتى يبدو أكبر؛ فالقمم لا تتزاحم، والنور الحقيقي لا يخشى ضوءاً بجانبه.

الأثر الباقي

في النهاية، قد ينسى الناس كثيراً مما قلته وفعلته، لكنهم لن ينسوا كيف عاملتهم عندما كنت قادراً على الإيذاء واخترت ألا تفعل، وكيف بقيت راقياً حين كان بإمكانك أن تكون غير ذلك. فالعلو الحقيقي ليس أن تكون فوق الآخرين، بل أن تكون أرفع من أن تُسقط أحداً.

ومن يعرف مقامه جيداً، لا يحتاج أن ينتقص من مقام غيره؛ فمن يرتفع حقاً، لا يحتاج أن يُنزل أحداً ليبقى عالياً. العلو الحقيقي لا يحتاج أن تسقط أحداً.