الرئيسيةكتاب و آراءالقيم أساس الجودة في المؤسسات والجامعات
كتاب و آراء

القيم أساس الجودة في المؤسسات والجامعات

عند الحديث عن جودة المؤسسات، يتركز الاهتمام عادةً على الأنظمة والإجراءات والحوكمة ومؤشرات الأداء والاعتمادات والجوائز. وهذه الأدوات ضرورية لتطوير الأداء وضبطه وقياس نتائجه، لكن يبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع الأنظمة، حتى في أدق صورها، أن تحقق الجودة في بيئة تفتقر إلى قيم الأمانة والإتقان والالتزام والنزاهة والشفافية والمسؤولية؟

الأنظمة وحدها لا تصنع الجودة

فالجودة لا تنشأ من الأنظمة والإجراءات وحدها، بل تنبع من قيم الإنسان الذي يطبقها. فالأنظمة تضبط السلوك، والمؤشرات تقيس الأداء، والرقابة تكشف مواطن القصور، لكنها لا تستطيع الإحاطة بكل ممارسة وقرار. أما القيم فتمثل البوصلة التي توجه الإنسان عندما تغيب الرقابة المباشرة، وتحدد كيفية أدائه لواجبه واستخدامه لصلاحياته وتعاملاته مع حقوق الآخرين والموارد الموكلة إليه.

وفي سياقنا الاجتماعي، ترتبط قيم العمل بمرجعيتنا الإسلامية وقيمنا الوطنية والثقافية؛ فالأمانة والإتقان والعدل والصدق وتحمل المسؤولية واحترام الحقوق قيم متجذرة، وعندما تتحول من مبادئ معلنة إلى سلوك يومي، فإنها تعزز الالتزام والنزاهة والشفافية وترفع جودة المخرجات وكفاءة الأداء.

القيم في التعليم والتعليم الجامعي

وهذا الأمر لا يقتصر على مهنة محددة؛ فالطبيب والمهندس والمعلم والموظف والباحث والإداري لا تكفيهم المعرفة والمهارة ما لم تضبط ممارساتهم القيم المهنية والأخلاقية. ويزداد هذا الأثر في القيادات والمسؤولين؛ لأن قراراتهم لا تقتصر على أدائهم الشخصي، بل تمتد إلى اختيار الكفاءات وتوزيع الفرص وإدارة الموارد وتحقيق العدالة وبناء الثقافة المؤسسية، ومن ثم إلى كفاءة المؤسسة ومصالح المجتمع والوطن.

وفي مجال التعليم تتضاعف أهمية القيم؛ لأن أثرها يمتد إلى بناء الإنسان ذاته. فالمعلم لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يقدم نموذجاً في السلوك والانضباط والعدل والمسؤولية. وكلما ترسخت هذه القيم في الممارسة التعليمية، تحولت الجودة إلى سلوك أصيل ومستدام، وليس مجرد استجابة لمعايير أو متطلبات رقابية.

وتظهر هذه العلاقة بوضوح أكبر في التعليم الجامعي؛ فعضو هيئة التدريس يتحمل مسؤوليات التعليم والتقويم والبحث العلمي والإشراف وخدمة المجتمع، ويتمتع في كثير من هذه المجالات باستقلالية مهنية تجعل الضمير المهني والقيم عنصرين حاسمين في جودة أدائه.

فجودة التعليم تبدأ عندما يدرك الأستاذ أن المحاضرة أمانة، وأن وقت الطالب وحقه في التعلم مسؤولية، وأن عدالة التقويم لا تقبل المحاباة أو التحيز. وجودة البحث تبدأ عندما تكون النزاهة مقدمة على عدد الأبحاث، وتحترم الملكية الفكرية، وتنسب المساهمات إلى أصحابها، وتعرض النتائج بأمانة. وجودة الإشراف تتحقق عندما يُنظر إلى طالب الدراسات العليا بوصفه باحثاً يحتاج إلى البناء والتمكين وتنمية القدرات.

من الأنظمة إلى الثقافة المؤسسية

وقد تمتلك الجامعة أنظمة متقدمة للجودة ولوائح دقيقة ومؤشرات أداء وتحصل على الاعتمادات والشهادات؛ لكن ذلك لا يغني عن القيم. فالنظام قد يلزم عضو هيئة التدريس بتقديم تقرير، لكنه لا يضمن جودة ما وراء التقرير؛ وقد يحدد ساعات مكتبية، لكنه لا يضمن الاهتمام الحقيقي بالطالب؛ وقد يضع قواعد للنزاهة البحثية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الضمير العلمي للباحث.

وهذا لا يقلل من أهمية الجودة والحوكمة والرقابة، بل يضعها في موضعها الصحيح؛ فالأنظمة تضبط الممارسة، والحوكمة تحدد المسؤوليات والصلاحيات، والرقابة تحمي المؤسسة، والمؤشرات تقيس النتائج. أما القيم فهي التي تجعل الالتزام بهذه المنظومة نابعاً من قناعة ومسؤولية، لا من الخوف من المساءلة وحدها.

ومن هنا، فإن التحدي الذي تواجهه المؤسسات، والجامعات بصفة خاصة، لا يقتصر على تطوير الأنظمة ومؤشرات الأداء، بل يمتد إلى بناء ثقافة تجعل الأمانة والإتقان والعدل والنزاهة والشفافية والمسؤولية قيماً حاكمة للاختيار والتمكين والتقييم والترقية والممارسة اليومية. فالثقافة المؤسسية لا تتشكل بما تكتبه المؤسسة في وثائقها، وإنما بما تعززه من قيم وممارسات، ومدى التزام قياداتها ومنسوبيها بها في الواقع.

بناء القيم لتحقيق التميز المستدام

وحين ترسخ القيم، يرتفع الالتزام والثقة، وتتحسن القرارات والممارسات، ويصبح الإتقان سلوكاً ذاتياً، وتقل الحاجة إلى الإفراط في الرقابة والإجراءات، وتتحسن جودة المخرجات وكفاءة استخدام الموارد وقدرة المؤسسة على خدمة المجتمع وتحقيق مستهدفات التنمية الوطنية.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يسبق حديثنا عن ثقافة الجودة هو: كيف نبني القيم التي تصنع الجودة؟

فالجودة قد تُقاس بالمؤشرات، وتُوثق بالتقارير، وتُعتمد بالشهادات؛ لكنها تبدأ من قيمة يحملها الإنسان، وتظهر في سلوكه، ثم تتحول إلى ثقافة مؤسسية وتميز مستدام يصنع أثراً للمؤسسة والمجتمع والوطن.