الرئيسيةمحلياتفكر الأمير محمد بن سلمان في...
محليات

فكر الأمير محمد بن سلمان في التاريخ: من تصحيح البداية إلى بناء الذاكرة الوطنية

من يتتبع خطابات الأمير محمد بن سلمان وقرارات الدولة ومشاريعها الكبرى يجد أن التعامل مع التاريخ يسير في مسارات متكاملة: تصحيح نقطة الانطلاق، واستعادة الحق في كتابة السردية الوطنية، وتوسيع الوعي بتاريخ الأرض السعودية، وتحويل التاريخ من ذاكرة جامدة إلى قوة حاضرة في الهوية والعمران والاقتصاد. فالماضي في هذه الرؤية ليس مجرد مستودع للفخر، بل هو مادة من مواد بناء الدولة الحديثة، مما يجعل الوعي التاريخي جزءًا من الكفاءة السياسية وليس ترفًا ثقافيًا يقتصر على المناسبات.

يوم التأسيس: إعادة الزمن إلى جذوره

أبرز ما يعبر عن هذا التحول هو اعتماد يوم التأسيس. فالأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في عام 2022، والقاضي بجعل 22 فبراير من كل عام ذكرى لتأسيس الدولة السعودية، لم يضف مناسبة وطنية جديدة فحسب، بل أعاد الزمن السعودي إلى أصله في عام 1727، عندما تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في الدرعية وبدأ في تأسيس الدولة السعودية الأولى.

تكمن أهمية هذا التاريخ في تحرير نشأة الدولة من الاختزال السائد لعقود طويلة، الذي كان يربط قيامها بعام 1744 وبقدوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية. القراءة الجديدة لا تنكر مكانة الشيخ ولا أثر دعوته الإصلاحية، لكنها تضع الأحداث في ترتيبها الصحيح: الدولة تأسست أولاً بإرادة سياسية واجتماعية قادها الإمام محمد بن سعود، ثم انضم الشيخ إلى مشروع دولة قائمة وأسهم فيه من موقعه العلمي والدعوي. وقد عبر الأمير محمد بن سلمان عن هذا المعنى بلطف ووضوح حين وصف الشيخ بأنه من علماء الدولة ورجالها، إلى جانب السياسيين والعسكريين، أي أنه كان، بالمعنى الوظيفي، جنديًا من جنود الدولة وليس مؤسسًا لها إلى جانب الإمام محمد بن سعود.

بين التأسيس والتوحيد: سيرة دولة واحدة

من هنا يكتسب الفصل بين يوم التأسيس واليوم الوطني معناه العميق: الأول يستعيد أصل الفكرة السياسية في عام 1727، والثاني يخلد اكتمال إعادة التوحيد في عام 1932. وبين التاريخين – التأسيس والتوحيد – تمتد سيرة دولة واحدة، وإن تعاقبت عليها ثلاثة أطوار. التقسيم إلى دولة أولى وثانية وثالثة مناسب للفهم التاريخي، لكنه لا يعني أن كل واحدة منها ولدت من فراغ؛ إذ بقيت فكرة الدولة كامنة في الذاكرة والولاء والشرعية الاجتماعية، وكانت تعود كلما تهيأت لها القيادة والقدرة. لقد سقط شكل الدولة مرتين، لكن معناها لم يسقط من نفوس أهلها.

في هذا السياق، يمكن فهم دقة الأمير محمد بن سلمان في لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2023، حين صحح قوله: «إن الاتحاد السوفيتي اعترف باستقلال المملكة»، فقال بلطف ولباقة ملكية: «السعودية لم تستقل ذلك الوقت، السعودية أعيد توحيدها، السعودية لم تكن مستعمرة من قبل في التاريخ». لم يكن التصحيح استدراكًا عابرًا، بل دفاعًا عن السيادة؛ فالاستقلال يفترض وجود مستعمر سابق، أما إعادة التوحيد فتحيل إلى دولة صنعت وجودها من داخلها ولم تنتظر قوة أجنبية تمنحها شهادة ميلادها. وهكذا رفض الأمير أن تُقرأ التجربة السعودية داخل قالب صُنع لتجارب تاريخية أخرى.

تاريخ المكان: من الدرعية إلى العلا وجدة

غير أن فكر الأمير محمد بن سلمان في التاريخ لا يقف عند تاريخ الدولة وحده، بل يستعيد تاريخ المكان السعودي بكامل طبقاته الحضارية. هذا ما تكشفه مشروعات الدرعية والعلا وجدة التاريخية، وما يصاحبها من تنقيب وتوثيق وترميم وإحياء. ففي العلا، على سبيل المثال، لا يبدأ تاريخ الأرض بقيام الدولة الحديثة، بل يمتد عبر ددان ولحيان والأنباط وطرق التجارة والحج، ليصبح الماضي الحضاري السابق للإسلام، والتاريخ الإسلامي، والتاريخ السعودي حلقات في ذاكرة وطنية واحدة. وبذلك استعاد السعودي حقه في جميع أزمنة أرضه، بعد أن همشت بعض القراءات الأيديولوجية أجزاء واسعة منها أو نظرت إليها بريبة.

يكشف مشروع الأمير لتطوير المساجد التاريخية وجهًا آخر لهذه الرؤية؛ فالمسجد القديم لا يُرمم ليظل أثرًا صامتًا، بل يُعاد إلى الصلاة وإلى محيطه الاجتماعي، مع الحفاظ على طرازه المعماري وخصوصية المنطقة التي نشأ فيها. وهنا يتحول التاريخ من مبنى يُزار إلى وظيفة تُستعاد، ومن ذكرى محلية مهددة بالاندثار إلى جزء من الذاكرة الوطنية الحية.

التاريخ قوة للهوية والتنمية

لهذا التوجه وظيفة سوسيولوجية بالغة الأهمية؛ إذ تبني الدولة ذاكرة مشتركة لا تلغي تواريخ المناطق، بل تجمعها داخل قصة وطنية أوسع. فالدرعية والعلا وجدة والأحساء وعسير والقصيم ونجران ليست هوامش متفرقة، بل شواهد متعددة على عمق المكان وتنوع المجتمع. وحين يتعرف المواطن على تاريخ المناطق الأخرى، تتحول الوحدة الوطنية من وحدة حدود ونظام سياسي إلى وحدة ذاكرة ومصير.

كما أن إدخال التاريخ في مشروعات التنمية والسياحة والثقافة والترفيه يكشف أن الأمير لا يعامله بصفته عبئًا على المستقبل. فالموقع الأثري يستطيع أن ينتج معرفة وفرصًا واقتصادًا، والعمارة التاريخية تستطيع أن تلهم المدينة الحديثة، والهوية تستطيع أن تدخل العالم من غير أن تذوب فيه. وهكذا لا يعود الاختيار بين الأصالة والمعاصرة لازمًا؛ لأن التحديث الأرسخ هو ما ينمو من داخل المجتمع، لا ما يزرع فيه من خارجه.

لقد أعاد الأمير محمد بن سلمان التاريخ إلى المجال العام، لا ليحكم الحاضر باسم الماضي، بل ليمنح الحاضر وعيًا بذاته والمستقبل ثقةً في مساره. فالتاريخ في فكره ليس مقبرة لما انقضى، بل طاقة سياسية واجتماعية وحضارية؛ به تعرف الدولة كيف بدأت، وبه يعرف المجتمع لماذا استمرت، ومنه يستمد السعوديون يقينهم بأن الأمة التي صنعت دولتها، واستعادتها كلما سقطت، قادرة على أن تصنع مستقبلها من غير أن تفقد نفسها.