كاتب يروي ذكريات ثلاثة عقود مع صحيفة "الرياض" بعد إعلانها وقف النسخة الورقية

عندما أعلنت جريدة “الرياض” عن نيتها إيقاف طباعتها الورقية والتحول إلى المنصة الإلكترونية ابتداءً من الرابع والعشرين من أغسطس الجاري، لم أتعامل مع هذا القرار باعتباره مجرد تحول تقني عادي في مسيرة مؤسسة صحفية عريقة، بل رأيت فيه لحظة تستدعي استحضار الذاكرة، وتوقظ في نفسي نحو عشرين عاماً من العطاء الصحفي الذي قضيته بين صفحات هذه الصحيفة، وفي أروقتها ومطابعها ومكاتبها، وفي ميادين العمل الإعلامي داخل المملكة وخارجها.
رحلة مهنية تمتد لعقدين
ونظراً لتعدد المحطات والتفاصيل التي تتضمنها هذه التجربة، فإن تناولها في مقال واحد قد لا يتيح المجال الكافي لعرضها بشكل متكامل. لذلك سأقسمها إلى أجزاء متتالية، تراعي مساحة النشر المخصصة، وتتيح تقديم التجربة في تسلسلها الزمني والمهني، مع التركيز على أبرز المحطات وأكثرها دلالة، دون الخوض في التفاصيل الدقيقة؛ فلكل محطة تفاصيلها ووقائعها التي يصعب اختصارها في هذا السياق. أما التفاصيل الأوسع، وما يتعلق بها من جوانب مهنية وإنسانية في مسيرتي بشكل عام، فلعلها تكون مادة لإصدار كتاب مستقبلي إن شاء الله.
انطلقت علاقتي بصحيفة “الرياض” عندما كنت مراسلاً صحفياً من منطقة بني مالك في محافظة ميسان، جنوب الطائف. وكانت تلك البداية بوابة واسعة إلى عالم الصحافة الميدانية، ومقدمة لمسيرة مهنية استمرت نحو عقدين من الزمن.
لم تكن الصحافة بالنسبة لي في ذلك الوقت مجرد كتابة خبر أو نقل حدث، بل كانت اقتراباً من الناس، والذهاب إليهم، والاستماع إلى أصواتهم، والبحث عن القصة التي تستحق أن تصل إلى القارئ. وخلال سنوات عملي في الجريدة، كتبت عدداً كبيراً من التقارير الميدانية والاستطلاعات والتحقيقات الصحفية والحوارات، وشاركت في إعداد العديد من الملاحق الصحفية، وركزت على أخبار التعليم، وأخبار الثقافة والأدب، وبعض الموضوعات الاجتماعية، بحسب التخصص والاهتمام.
وكنت أجد في هذه الموضوعات ما يتجاوز حدود الخبر العابر؛ فالتعليم قضية ترتبط ببناء المستقبل، والثقافة رافد أساسي في تشكيل وعي المجتمع وذاكرته، والأدب أحد أبرز أشكال التعبير عن الإنسان والمكان والزمان، فيما تمثل الموضوعات الاجتماعية مجالاً مهماً لرصد قضايا المجتمع، وتناول شؤونه وملامسة احتياجات أفراده وتطلعاتهم.
تمثيل الجريدة في موسكو
ومن أبرز محطات تجربتي المهنية مع “الرياض” كان تمثيلي للجريدة في العاصمة الروسية موسكو لمدة قاربت خمس سنوات. وكانت هذه المهمة واحدة من أهم التجارب التي أعتز بها في مسيرتي الصحفية؛ فقد أتاحت لي العمل من خارج المملكة، ومتابعة الأحداث من مصادرها ومواقعها، والتواصل مع الشخصيات والجهات المختلفة، ونقل ما يحدث في روسيا، وما يتصل بها إلى القارئ.
وأتذكر جيداً كيف بدأت قصة هذه المهمة؛ إذ تلقيت اتصالاً هاتفياً من رئيس التحرير آنذاك، الأستاذ تركي بن عبدالله السديري – رحمه الله. وعندما حضرت إلى مقر الجريدة في الرياض، وقبل أن نبدأ اجتماعنا معه لترتيب تفاصيل هذه المهمة، استدعى اثنين من موظفي العلاقات العامة، وطلب منهما أن يصطحباني في جولة شاملة على أقسام الجريدة.
جولة في المطبعة العملاقة
وكانت تلك الجولة من الذكريات التي لا تزال حاضرة في ذهني حتى اليوم؛ فقد شملت مختلف أقسام الجريدة، إلى جانب المطبعة التي كانت “الرياض” قد دشنتها بتكلفة تجاوزت 70 مليون ريال، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف نسخة في الساعة، وكانت آنذاك من أكبر المطابع الصحفية في الوطن العربي.
وهناك اطلعت عن قرب على رحلة الخبر منذ لحظة وصوله من المراسلين، مروراً بمراحل التحرير والتدقيق والتصحيح والصف والإخراج، ثم الطباعة، وصولاً إلى توزيع الصحيفة ونقلها عبر وسائل النقل، بما في ذلك الطيران، حتى تصل إلى منافذ البيع في مختلف مناطق المملكة، بل وإلى بعض المناطق خارج المملكة.
وسأتناول في الأسبوع المقبل – إن شاء الله – الحلقة الثانية من هذه التجربة، مستعرضاً أبرز محطاتها وذكرياتها، وما حملته من خبرات مهنية وإنسانية متنوعة.



