الرئيسية›محليات›السعودية واليمن: علاقات تاريخية، دعم مستمر...
محليات

السعودية واليمن: علاقات تاريخية، دعم مستمر وتحديات معاصرة

العلاقات التاريخية والاجتماعية

تتمتع اليمن بمكانة خاصة في التاريخ السعودي، إذ تعد الدولة الأكثر حظوة لدى المملكة عبر العصور وما زالت كذلك وستظل إن شاء الله. هذا الشعور يلامس شعب اليمن في ماضيه وحاضره ومستقبله، مع احترام وتقدير لجميع الشعوب الشقيقة والصديقة.

لا توجد دولة أخرى تشارك السعودية قدرًا كبيرًا من القواسم المشتركة التي تحدد وحدة المصير كما تفعل اليمن اليوم. الجالية اليمنية هي الأكثر عددًا بين جميع الجاليات المقيمة في السعودية، وتتميز بحضورها البارز وتفاعلها الاجتماعي العميق. تجاوزت العلاقات نطاق العمل في مختلف الوظائف والمهن والتجارة والاستثمار لتصل إلى المصاهرة والنسب، إضافة إلى تقاليد وعادات مشتركة خصوصًا في المناطق الحدودية التي تمتد لأكثر من ألف وأربعمائة كيلومتر.

دعم السعودية وانتقادات للقيادة اليمنية

نظرًا لهذه الروابط الخاصة، أولت السعودية اليمن اهتمامًا مميزًا على مر العصور المختلفة، ولم تحظَ أي دولة في العالم بمثل ما نالته اليمن من دعم سعودي سخي شمل جميع المجالات، خاصة الاقتصاد والسياسة. ما يميز هذا الدعم هو توجيهه أولًا وقبل كل شيء إلى المواطن اليمني في كل ربوع البلاد، دون استثناء لأي منطقة بسبب اختلاف المذهب أو الطائفة أو حتى التوجه السياسي.

fruto من هذا الدعم المتواصل، اكتسب اليمنيون ثقةً كبيرة لدى إخوتهم السعوديين، الذين عرفوهم عبر التاريخ كأشخاص صدق وشهامة ومروءة وعزة نفس وتجنب للصغائر.

مع ذلك، لم تستغل القيادات السياسية في اليمن هذه العلاقة المتميزة لتحقيق تنمية حقيقية؛ فقد كان اهتمامها الأساسي والثاني مجرد تأمين حياة كريمة لمواطنيها، بينما غاب أي رؤية استراتيجية واضحة، ما أدى إلى إثارة حفيظة النفوس وانقسام المجتمع إلى شيع وأحزاب تتناحر بعضها مع بعض، حيث اتجه فريق نحو الشرق وآخر إلى الغرب طالبًا دعمًا من الخارج لضرب الأخ الشقيق.

نتيجة لهذا الإهمال، أصبحت التنمية ومصلحة المواطن مهملة في كثير من مناطق البلاد، فحرم الكثيرون حتى من أبسط مقومات الحياة، وشاهدنا مشاهد تحزن القلب من بؤس يتخبط فيه اليتامى والأرامل وكبار السن.

وقال محمد البخيتي بابتسامته الصفراء الشاحبة: “ليس لليمن ما يخسره في حربه ضد السعودية.. فيا للعار ويا للعجب العجاب أن يتفاخر أحد بتخلُّف بلاده وتدمير بنيتها التحتية، وقتل رجالها وتجنيد أطفالها والزَّج بهم في محرقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مع أنها كانت نبع الحضارات وأصل العرب.”

وبسبب هذا الوضع، أصبح اليمني يقاتل أخاه اليمني إما نصرة لهذا faction أو إرضاءً لذاك أو نكاية بثالث، وهكذا تحول الجميع إلى متحمسين يحملون السلاح كعلامة على الرجولة.

وذكرت حادثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لشاب يمني في منتصف العمر تقريبًا كان محرمًا ومُمتحنًا بجنبيته، رفض طلب رجل الأمن بأن يترك الجنبية خارج الحرم حفاظًا على الأمن وطمأنة الآخرين. قدم له officer خيارًا literalmente بين الاحتفاظ بالجنبية أو الدخول إلى الحرم، فاختار عدم التخلي عنها وانصرف غير مبالٍ، دون أن ندرِ إذا كان قد فاته الطواف أو الصلاة أو كليهما.

يُظهر هذا السلوك مدى إهمال الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في اليمن لقضايا التعليم والثقافة، وانغماسها في المكايدات السياسية، واقتفاء أثر قول علي عبد الله صالح عن “القفز على رؤوس الثعابين” للبقاء على السلطة لأطول فترة ممكنة، دون أن يهم ما إذا كان المواطن اليمني يفضّل التمسك بالجنبية على الطواف بالبيت العتيق والصلاة في الحرم.

ولقد حاولت القيادة السعودية الحفاظ على “شعرة معاوية” ما وسعها الصبر، لكن علي عبد الله صالح لم يرتقِ إلى مستوى حسن الظن، ولم يقدّر الجهد السعودي المتواصل ومساعداته لتنمية بلاده وتوفير حياة كريمة لشعبه. وفي ظلام الليل بينما كان الناس نيامًا، غدر باليمن أرضًا وشعبًا وحضارة وتاريخًا، فسلّم الجمل بما حمل للحوثيين نكاية بخصومه السياسيين.

على أي حال، الرجل أفضى إلى ما عمل، ولا نريد الخوض في تفاصيل إضافية؛ فالمهم أن دعمه للحوثيين، أو تواطؤه معهم لبسط سيطرتهم على صنعاء، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فصبّت الزيت على النار وزادت التحزب والتشرذم حتى بين الشرعية والقوى المناهضة للحوثيين.

التهديدات الحوثية ودعوة للوحدة

ومع مرور الوقت، وحقيقة غياب رؤية واضحة بين الفرقاء اليمنيين لاستعادة الدولة، استقوى الحوثيون ووجدوا في نجاح السعودية واستقرارها وازدهارها وما تنعم به من أمن واطمئنان ونفوذ إقليمي ومكانة دولية عدوًا يجب ضربه. وجد الحاقدون والحاسدون فيهم ضالتهم المنشودة، فحوّلوا الجماعة إلى حصان طروادة يهدف إلى النيل من بلاد الحرمين الشريفين.

وللأسف، كان من بين هؤلاء من كان بالأمس القريب يروّج لنفسه كأخٍ وفيٍّ وصديقٍ مخلصٍ ومُسلِمٍ صادقِ الإيمان.

كيف يمكن اعتبار هذا الأخ الوفي والصديق المخلص والمسلم المؤيد لجماعة تغرق في الجهل ولا تعرف حتى حرمة بيت الله عز وجل ومثوى رسوله صلى الله عليه وسلم، فتطلق صواريخها تستهدف مكة المكرمة والمدينة المنورة، además de استهداف البنية التحتية وتهديد حياة المواطنين والمقيمين في أبها وخميس مشيط وحتى الرياض والدمام؟ إن هذا ليس سوى حقد أعمى وحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وعمالة لتنفيذ أجندة خارجية لن تقف أضرارها عند السعودية إن نجح مخططها الخبيث، بل ستتعداها إلى المنطقة بأسرها وأولها اليمن ذاته، تمامًا كما حدث مع قوات ما يعرف بـ (الدعم السريع) في السودان التي استغلتها نفس الأطراف التي تحرض الحوثيين على السعودية اليوم لتدمير السودان وقتل رجاله واغتصاب حرائره ونهب ثرواته وتدمير بنيته التحتية.

وانكشف القناع اليوم، وسقطت آخر ورقة توت كانت تخفي خلفها أولئك الحاسدين من عرب وعجم حقدهم الدفين، وظهر الوجه الحقيقي الذي أزعجه نجاحنا واستقرارنا ومكانتنا بين العالمين، وما تتمتع به بلادنا من سمعة طيبة وثقة كبيرة لدى شعوب العالم، وقبل كل شيء، هذه النعمة العظيمة التي لا تدانيها نعمة، وهذا الشرف الإلهي العظيم الذي لا يدانيه شرف، بتشريف الله سبحانه وتعالى لنا بخدمة بيته العتيق ومثوى رسوله صلى الله عليه وسلم ورعاية ضيوفه الذين يفدون إلينا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم.

الحقيقة أن ما يحدث اليوم من تآمر مكشوف على بلادنا، وما حدث قبله للعراق وسوريا وفلسطين ولبنان والصومال والسودان وليبيا، وما يحدث حتى الآن في اليمن، هو كله نتيجة غياب منظومة موحدة حقيقية صادقة وجادة وحادبة على تحقيق مصلحة الجميع، تقف من الكل على مسافة واحدة.

وعليه أناشد اليوم الشعوب العربية، لاسيَّما أهل الخليج العربي، كما أناشد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن ينتبهوا لما يُحاك للسعودية اليوم من قوى الظلام، ويستهدف مقدسات المسلمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة بالدرجة الأولى. وليعلم أهل الخليج أن نظرية المؤامرة التي طالما كتبنا عنها حتى جفَّ مدادنا، وحذّرنا منها حتى ذهب صوتنا، مما يُحاك لهم ويُطبخ لهم بليل من غثٍّ غير سمين، ورأى فيها كثيرون حديثًا خرافيًا ليس إلا، أقول ليعلم أهل الخليج أن نظرية المؤامرة تلك ما زالت حية تسعى، بل أكثر من هذا: أرى شجرًا يمشي عليكم، بل يحث الخطى، فاحذروا وصولهم إليكم على حين غرة، ولات حين مندم.

وعلى كل حال، أؤكد للجميع، لاسيَّما أولئك (المحللين السياسيين) الذين يظنون أنهم يثيرون الرعب في نفوسنا بحديثهم عن (جبال اليمن الشاهقة وأوديتها السحيقة ورمالها العميقة) أن السعودية دولة عريقة كبيرة، عمرها اليوم ثلاثة قرون، دولة رسالة قوية بالله ثم بقيادتها وشعبها الذي لا يعشق شيئاً في الدنيا مثل عشقه للقاء خالقه دفاعاً عن قبلة المسلمين وعن مقدساتهم ومثوى رسولهم صلى الله عليه وسلم، ولديها من الإمكانيات والموارد والعدة والعتاد ما يمكّنها من أداء واجبها واستمرار قافلة خيرها القاصدة إلى الأبد إن شاء الله. وعلى رأي أخي دايم السيف: (الإسلام ينادي، إن لم نلبِ فمن يلبي؟.. لا مكان اليوم لضعيف، ولا أمان لصديق أو حليف، ولا اعتماد إلا على الله ثم على الذَّات، ولا مجال للترف والملذات.. إنه يوم العزم والحزم والثبات، فلنشمر عن السواعد). وأضيف: ولنحمي الوطن الواعد، ولندافع عنه بالأرواح وفلذات الأكباد.

ومهما يكن من أمر، ستظل السعودية تدعم جهود الشرعية بكل قوة، حتى تستعيد الدولة من خاطفيها، وتعود الحياة والازدهار لصنعاء الحبيبة من جديد، وتعم الفرحة سائر ربوع اليمن، ليعود سعيداً كما كان في سالف الأزمان، وليس هذا على همّة الرجال، بعد عون الله ببعيد.

أخيرًا: أتمنى على الإخوة في الشرعية أن يتركوا هذا التحزب والتشرذم، ليصطفوا جميعاً في مواجهة هذه المؤامرة الخبيثة التي تستهدف وجودهم، وليقطعوا دابر الأيدي الخارجية التي تسعى جاهدة لتأجيج الصراع وتمزيق وحدتهم ونهب خيرات بلادهم، فكفى معاناة لهذا المواطن البسيط المغلوب على أمره، وحتى الحوثيين إن جنحوا للسلم واتفقوا مع بقية المكونات اليمنية، وقدموا مصلحة بلادهم على خدمة الأجندة الخارجية التي لا تريد الخير لبلادهم، سيجدون منا كل تعاون ليبقى اليمن دولة قوية مزدهرة فاعلة في المنطقة والعالم.