الرئيسيةمحلياتحكاية عليان: بين خشوع المسجد وكرم...
محليات

حكاية عليان: بين خشوع المسجد وكرم الفاكهاني

أما علي الأول، وهو رجل في الستين من عمره، فقد بدأت معرفتي به من موقف في المسجد. إذ كان يصلي، فشددت ثوبه أثناء الركوع لسد الفرجة بيني وبينه. وبعد الصلاة نظر إلي شزرًا وقال: “سحبت ثوبي بقوة، لو انقطع هل تخيطه لي؟” فاستسمحته، لكن عينه الوحيدة كانت حمراء من الغضب.

اكتشفت لاحقًا أنه رغم فقره، كان عفيف النفس، يعمل في جمع العلب المعدنية الفارغة من صناديق المخلفات ويحملها في كيس على ظهره. رأيته مرات عديدة في الصيف وقد ملأ الكيس بما يسر الله من العلب. ذات مرة أعطيته ورقة ظننتها عشرين ريالًا، فأخذها متهللًا؛ ثم اكتشفت أنها ورقة مائتي ريال. ولو استكثرتها عليه بعد موقف خشيته من انقطاع ثوبه، لكنت لئيمًا، فربما كان الثوب الوحيد لديه.

وعرفت أنه يعيش وحيدًا في غرفة فوق سقف عمارة، كما لو كان مقطوعًا من شجرة. سألته من باب الفضول من أين جاء، فقال إنه من جيزان. وأخشى أنه إذا جاءه الأجل لا يجد من يقوم بأمره، ولكني واثق أن الله لن يضيعه.

عليان الفاكهاني

أما الثاني فهو الفاكهاني؛ يشتري عشرات الكراتين من الفاكهة والخضروات رغم مساحة محله الضيقة، ويبيعها بأرباح قليلة. لذلك يأتيه زبائن من مسافات بعيدة تصل إلى عشرة كيلومترات. وإذا ضاق محله، ففي حافلته الصغيرة ذات الأبواب الثلاثة مساحة كافية. ويغيب أحيانًا إذا تعطلت الحافلة.

وقد سُرقت منه ذات يوم حافلته، فلم يجدها إلا بعد يومين وقد نُزعت منها بعض القطع. وفي مرة أخرى، وقفت به الحافلة تحت أحد الأنفاق، فجاءه عسكري المرور وسأله: “مالك؟” فقال: “عبأت السيارة بالوقود، ولكن عامل المحطة أخطأ فملأ الحافلة بالديزل بدل البنزين.” فقام العسكري الشهم بصف سيارته خلف الحافلة، وقال لعلي الفاكهاني: “هيا اركب.” ثم ألصق السيارة بمؤخرة الحافلة وسار يدفعها حتى خرجت من النفق. قال علي: “كلفتني عملية تفريغ الديزل 300 ريال، وقبلها إصلاح الحافلة بألف ريال.” لكنه استمر، حسب علمي، في احتلال المركز الأول في جدة في البيع بالقليل من المكسب.

وهو يشدد على زبائنه بعبارته المعروفة: “قلّبوني ولا تقلبوا بضاعتي.” وقد حفزني لكتابة قصته أن زبونًا اشترى منه تفاحًا، ثم أعاده وطلب القيمة. قال علي: “وجدت أن التفاح ناقص نصف كيلو.” صحيح أن عليّ الثاني سمح، لكنه لا يقبل أن يستغفله أحد.