الرئيسية›عربي و عالمي›بعثة الأمم المتحدة: القمع والحرب يغلقان...
عربي و عالمي

بعثة الأمم المتحدة: القمع والحرب يغلقان باب الحوار في السودان

حذرت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان من أن تزايد الهجمات بالطائرات المسيرة، إلى جانب تصاعد القمع وتقييد الحريات العامة، يزيد المخاطر التي يتعرض لها المدنيون مع اتساع نطاق النزاع.

جاء ذلك في تقرير أصدرته البعثة مساء الأربعاء 28 أكتوبر 2026، حمل عنوان «حرب السودان بلا هوادة: الدمار المدني وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض»، وأكدت فيه أن تراجع التهديد العسكري المباشر أو إعادة فتح بعض الطرق لم يمنح السكان الحماية الكافية، إذ لا تزال المسيرات تهدد الأحياء والمرافق المدنية، بينما تحد الاعتقالات والمراقبة والترهيب من قدرة المدنيين على طلب الحماية أو الإبلاغ عن الانتهاكات.

وأوضحت البعثة أن تقويض الحريات المدنية لا يشكل خطراً على الأفراد فحسب، بل يضعف آليات حماية المدنيين، ويعطل توثيق الانتهاكات ومحاسبة الجناة، ويقوض فرص إجراء حوار سوداني حقيقي وشامل لإنهاء الصراع. وخلصت إلى أنه «لا يمكن إجراء أي حوار سوداني ذي مصداقية في ظل هذه الظروف».

مسيرات الدعم السريع تهدد المدنيين

وثق التقرير هجمات متكررة شنتها قوات الدعم السريع باستخدام طائرات مسيرة على مناطق مأهولة في مدينة الأبيض ومحيطها، شملت أحياء سكنية ومرافق تعليمية ومواقع لجوء للمدنيين، بالإضافة إلى منشآت مدنية وبنى تحتية أساسية. وأفادت البعثة بأن هذه الضربات أسفرت عن قتلى وجرحى وأضرار مادية في المنازل والخدمات، مما وسع دائرة الخوف والنزوح.

ومن بين الوقائع التي أوردها التقرير، ضربة استهدفت موقعاً للنازحين في الميناء البري بالأبيض في 30 سبتمبر 2026، أفادت تقارير بأنها قتلت طفلاً وأصابت 12 آخرين. كما أشار إلى ضربة على سكن طلاب جامعة كردفان في الأول من أكتوبر 2026، قيل إنها أوقعت خمسة قتلى و47 جريحاً، وإلى تدمير أكثر من 330 ألف مادة تعليمية في مخازن بشيكان.

وخلصت البعثة إلى أن نمط هجمات المسيرات الذي وثقته ينتهك مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، وقد يرقى إلى جرائم حرب. كما أوردت تقارير عن هجوم للدعم السريع قرب مخيم للنازحين في ولاية النيل الأزرق، قيل إنه قتل ما لا يقل عن 30 شخصاً بينهم نساء وأطفال، وعن ضربة على مركز صحي قتلت متطوعاً في الهلال الأحمر. وفي أم بادر، تحققت البعثة من مقطع مصور يظهر، وفق تقييمها، إعدام نحو 25 شخصاً معصوبي الأعين ومقيّدي الأيدي، يُعتقد أنهم كانوا تحت سيطرة أفراد من الدعم السريع.

الجيش يعرّض المدنيين للخطر ويقمع الحريات

وفي المقابل، قالت البعثة إن انتشار أفراد القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها ومعداتها داخل الأحياء السكنية، وبالقرب من المنازل والأسواق والمناطق المأهولة في مدينة الأبيض، عرّض المدنيين لخطر متوقع من الهجمات. ورأت أن الجيش لم يتخذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية السكان الخاضعين لسيطرته.

وشدد التقرير على أن وجود أهداف أو أفراد عسكريين قرب المدنيين لا يعفي قوات الدعم السريع من واجبها في حماية السكان، لكنه لا يعفي الجيش أيضاً من مسؤوليته عن تجنيبهم آثار العمليات العسكرية وتفادي نشر الأهداف العسكرية في المناطق المكتظة، متى كان ذلك ممكناً.

كما أورد التقرير هجوماً بمسيرة على سوق في منطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان في 19 أكتوبر 2026، نسب إلى القوات المسلحة السودانية، وأفادت تقارير بأنه قتل ما لا يقل عن 80 شخصاً وأصاب 27. وأكدت البعثة أنها تواصل التحقيق في الهجوم.

قمع الجيش وعنف جنسي ضد النساء

لكن أخطر ما وثقه التقرير في مناطق سيطرة الجيش هو استهداف الحريات المدنية، إذ خلصت البعثة إلى أن الجيش وأجهزة أمنية مرتبطة به وقوات متحالفة معه اعتقلوا مدنيين تعسفياً، بينهم أطفال، للاشتباه في صلتهم بالدعم السريع أو تعاونهم مع جهود توثيق الانتهاكات، أو بسبب نشاطهم الإنساني والمدني وانتقادهم للسلطات.

وأشارت إلى احتجاز أشخاص فترات طويلة من دون مراجعة قضائية فعالة أو تمكينهم من التواصل مع المحامين وأسرهم، وإلى الضرب والتهديد والتعذيب وسوء المعاملة وانتزاع الاعترافات بالإكراه.

وتلقت البعثة أيضاً ادعاءات موثوقة عن تعرض نساء محتجزات للتحرش والعنف والاستغلال الجنسي، بما في ذلك الضغط عليهن من عناصر تابعة للجيش لتقديم خدمات جنسية مقابل الإفراج أو السماح بزيارة أسرهن. واعتبرت أن ممارسات الاحتجاز التي وثقتها قد تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي وجرائم حرب.

وقالت البعثة إن توظيف تهمة «التعاون مع الدعم السريع» ضد ناشطين ونقابيين وعاملين إنسانيين ومنتقدين أسهم في نشر الخوف وإسكات الأصوات المستقلة.

مسؤولية الأطراف الخارجية

وحملت البعثة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المسؤولية الأساسية عن الدمار والفظائع المرتكبة في السودان، مشيرة إلى أن أطرافاً خارجية أسهمت في تأجيج الصراع والاستفادة منه، ودعت الدول والجهات من غير الدول إلى اتخاذ خطوات جدية لمنع نقل الأسلحة والمقاتلين وأي دعم آخر قد يساهم في وقوع الانتهاكات والجرائم الدولية في السودان.

كما دعت طرفي الحرب إلى احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية سريعاً ومن دون عوائق، وإنهاء الاعتقال التعسفي والتعذيب والانتقام من العاملين في المجال الإنساني والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمجتمع المدني.

وخلص تقرير البعثة إلى أن استمرار الحرب وقصف الطائرات المسيرة والقمع يغلقان الطريق أمام حوار حر وشامل، وأن الحل يبدأ بوقف الحرب؛ فلا حوار سودانياً ذا معنى فيما تتواصل الهجمات ويُعتقل من يدعون إلى السلام أو يوثقون الانتهاكات.