الرئيسية›عربي و عالمي›ثانوية قيصري العريقة.. 133 عاماً من...
عربي و عالمي

ثانوية قيصري العريقة.. 133 عاماً من التعليم وشهداء ورؤساء

على مدى 133 عاماً، ظلت ثانوية قيصري في وسط تركيا، المعروفة باسم “طاش مكتب” (المدرسة الحجرية)، شاهدة على تحولات كبرى في تاريخ البلاد، من أواخر العهد العثماني إلى حرب الاستقلال وقيام الجمهورية. خرّجت المدرسة طلاباً استشهدوا في معركة صقاريا، ومن بين خريجيها رئيسان للجمهورية.

ما زالت طاش مكتب تستقبل الطلاب في مبناها التاريخي، بينما يحتفظ جزء منه بذاكرة تلك المرحلة، ولا سيما قصة دفعة عام 1921 التي لم تتخرج بعدما استشهد أفرادها في معركة صقاريا.

إرث من أواخر العهد العثماني

تأسست المدرسة عام 1893 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي شهدت فترة حكمه افتتاح مدارس ثانوية في عدة مدن بالأناضول. وكانت قيصري آنذاك سنجقاً تابعاً لأنقرة، أي وحدة إدارية عثمانية أدنى من الولاية.

واصلت المدرسة نشاطها التعليمي منذ افتتاحها، لكن الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية في العقود التالية أثرت في أعداد طلابها. فمع حروب البلقان ثم الحرب العالمية الأولى بين 1914 و1918، تراجع عدد الطلاب إلى 49، ولم تتمكن المدرسة خلال معركة تشناق قلعة (غاليبولي) من تخريج سوى تسعة طلاب.

طلاب استشهدوا قبل التخرج

مع اندلاع حرب الاستقلال التركية عام 1919، انخرط سكان البلاد في المقاومة. وفي صيف عام 1921، ومع تقدم القوات اليونانية نحو منطقة هايمانا، قرر البرلمان التركي نقل مقر الحكومة إلى قيصري، وجرى تجهيز مبنى الثانوية لاستضافة اجتماعات البرلمان. لكن انتصار القوات التركية في معركة صقاريا غيّر مسار الأحداث، فتراجع البرلمان عن قرار الانتقال.

خلال تلك الفترة، تطوّع طلاب الصف الأخير في المدرسة للذهاب إلى الجبهة، واستشهدوا في معركة صقاريا، ولذلك لم تتمكن المدرسة من تخريج دفعة عام 1921. وفي عام 1922، عُيّن الشاعر فاروق نافز جاملي بيل مدرساً للأدب في المدرسة، حيث عمل لمدة عامين، وكتب نشيد ثانوية قيصري تخليداً لذكرى الطلاب الشهداء.

خريجون بارزون في السياسة والثقافة

من بين خريجي المدرسة تورغوت أوزال، الرئيس الثامن للجمهورية التركية، وعبد الله غُل، الرئيس الحادي عشر، إلى جانب وزراء ومسؤولين وفنانين وعلماء. وقال مدير التربية الوطنية في ولاية قيصري، جوشكون أسن، في حديث للأناضول، إن المدرسة تُعد من أعرق الثانويات في تركيا، وتاريخها يعكس مشاركة الطلاب في الأحداث التي مرت بها البلاد. وأضاف أن طلاب الصف الأخير استشهدوا قبل أن يحصلوا على شهاداتهم، مؤكداً أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مكان ارتبط بمرحلة أسهم فيها جيل من الشباب في الدفاع عن حرية البلاد واستقلالها ووحدتها.

متحف حرب الاستقلال داخل المدرسة

عام 2016، حُوّل جزء من مبنى المدرسة إلى “متحف حرب الاستقلال”، الذي يعرض مقتنيات توثق مساهمة الأناضول في النضال الوطني. وأصبح المبنى يجمع بين وظيفته التعليمية وذاكرته التاريخية، مما يتيح للطلاب والزوار التعرف على جانب من الأحداث التي شكلت تاريخ تركيا الحديث.

وقالت بوغلم شن، الطالبة في الصف الثاني عشر، إنها تشعر بالفخر لوجودها في مؤسسة درس فيها أشخاص معروفون، بينهم تورغوت أوزال والشاعر فاروق نافز جاملي بيل والمطربة أمل ساين. وأضافت أن معرفة أن هذه الشخصيات عبرت الممرات نفسها التي تعبرها يومياً تمنحها شعوراً يصعب وصفه، معتبرة أن المدرسة ليست مكاناً عادياً، بل مؤسسة ارتبطت بأشخاص تركوا بصمتهم في التاريخ. أما الطالب عمر تورك، فعبر عن حبه لمدرسته، مشيراً إلى أن معلميه السابقين تخرجوا فيها، وأن رؤية أشخاص يعرفهم وقد درسوا في هذا المكان تعزز ارتباطه بها. وأفاد بأنه يتطلع إلى التخرج من المدرسة نفسها التي تواصل استقبال الطلاب بعد كل هذه السنوات.