الرئيسيةعربي و عالميأهمية المراجعة في المشهد الثقافي: متى...
عربي و عالمي

أهمية المراجعة في المشهد الثقافي: متى يكون الحذف بناءًا

من الإضافة إلى الحذف: إعادة تقييم الأولويات

في ميدان الثقافة، كما في سائر جوانب الحياة، هناك ميل واضح نحو الإضافة أكثر من الحذف. نحب الإعلان عن مبادرات جديدة، والاحتفال بإصدارات جديدة، وتنظيم فعاليات إضافية، وإضافة عناوين إلى قوائم طويلة، كما لو أن ثراء الساحة الثقافية يُقاس بما نضيفه لا بما نحتفظ به.

لكن السؤال الذي يطرح نادرًا هو: هل تحتاج الثقافة فعلاً إلى مزيد من الإنتاج؟ ليس الإشكالية في حجم النشاط الثقافي، إذ إن الحيوية تتطلب الحركة والتجدد، بل في غياب الاستفسار الأساسي: ما الذي يستحق الاستمرار؟

عديد من المبادرات تنطلق بحماس كبير، ثم تدريجياً تفقد مبررات وجودها؛ وفعاليات تتكرر إلى أن يصبح تكرارها عادة محضة أكثر من كونها فكرة متجددة؛ وإصدارات عديدة تمر مروراً سريعاً لأنها لم تخضع لتقييم ضرورتها قبل وصولها إلى الجمهور.

ومع ذلك نستمر في الاحتفاء بهذه الأنشطة، كما لو أن الإيقاف يعني الاعتراف بالفشل، وأن المراجعة تمثل نقصاناً في الجهد المبذول.

دور الناقد والمؤسسة في عملية المراجعة

في المجال الثقافي، يمكن اعتبار الحذف أحد أشكال البناء. عندما نتوقف عن مشروع لم يعد يحقق هدفه، لا نكون نهدمين الثقافة، بل نؤمن مساحة لما هو أكثر نفعاً.

وعندما نعيد تقييم فعالية فقدت قدرتها على الإضافة، لا نكون أسأنا إلى مؤسسيها، بل نحترم الهدف الأصلي الذي قامت من أجله.

وإذا ذكرنا أن كتاباً لم يقدّم جديداً، فإننا لا نقلل من قيمة مؤلّفه، بل نعيد التأكيد على جوهر الكتاب ذاته.

المشهد الثقافي المتطور لا يخشى المراجعة؛ بل المؤسسات الثقافية الأكثر إدراكاً هي القادرة على تقييم مبادراتها، قياس تأثيرها، الاستماع إلى النقد، ثم اتخاذ قرار جريء: الاستمرار، التطوير، الدمج، أو الإيقاف.

الشجاعة في التوقف: طريق الثقافة الناضجة

وفي هذا السياق يبرز دور الناقد الثقافي الأصيل، الذي لا يقتصر عمله على الترحيب بكل شيء، بل يطرح أسئلة: ما الذي أضافه هذا المشروع؟ لمن؟ وما الذي سيبقى منه بعد انتهاء الفعالية؟

اعتدنا أن نحكم على النجاح من خلال أعداد الحضور، وكثافة التغطية الإعلامية، ومدى التفاعل؛ بينما توجد أسئلة جوهرية أكثر: هل غير المشروع فكرة ما؟ هل أنتج قارئاً جديداً؟ هل كشف عن موهبة؟ هل أنتج معرفة جديدة؟ هل ترك أثراً يبقى بعد رحيل منشئيه؟

الثقافة ليست عرضاً دائماً لما قدمناه، بل هي عملية مستمرة من الاختيار والغربلة؛ قد تحتاج المرحلة القادمة إلى نوع مختلف من الشجاعة: الشجاعة التي تمتنع عن الإنتاج لمجرد الإنتاج، وعن الاستمرار لمجرد البدء، وعن الاحتفاء بكل جديد لمجرد كونه جديداً.

ليس كل ما يبدع في الثقافة يستحق الاستمرار؛ وفي بعض الأحيان، يكون أعظم عمل يمكن أن تقوم به مؤسسة ثقافية ليس إطلاق مشروع جديد، بل امتلاك الشغف لحذف ما لم يعد يضيف قيمة والتراجع عنه.

الثقافة لا تنمو بكثرة ما نضيف إليها، بل بقدرتنا على التمييز ما يستحق البقاء.