فون دير لاين تتهم موسكو بمحاولة زعزعة الديمقراطيات الأوروبية وسط تنديد دولي

اتهمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين روسيا، الثلاثاء، بمحاولة زعزعة استقرار الديمقراطيات الأوروبية، محملة موسكو مسؤولية الإنذارات الأخيرة المرتبطة بطائرات مسيّرة في دول البلطيق المجاورة، في وقت قوبل التهديد الروسي بتنديد دولي واسع.
فون دير لاين: روسيا تسعى لزعزعة الاستقرار
أقرت فون دير لاين بأن موجة إنذارات الغارات الجوية خلال الأسابيع الماضية كشفت عن مكامن ضعف في دفاعات القارة، وذلك خلال مؤتمر صحافي مع قادة من المنطقة المحاذية لروسيا على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.
تأتي زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية بعد أسبوع من تلقي الليتوانيين تعليمات بالاحتماء، عقب إنذار مرتبط بطائرات مسيّرة في العاصمة فيلنيوس، في أول إنذار من نوعه للسكان منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.
وقالت فون دير لاين، في المؤتمر الصحافي الذي حضره رؤساء ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا: “سكان دول البلطيق يعيشون ما عدَّه كثيرون من الماضي”. وأضافت: “هذه ليست حوادث معزولة، بل هي استراتيجية متعمَّدة من روسيا لمحاولة زعزعة استقرار مجتمعاتنا الديمقراطية”. وتابعت: “لكن كما هي الحال في ميادين المعارك في أوكرانيا، فإن روسيا تفشل”.
وازدادت هذه الإنذارات خلال الأشهر الأخيرة في دول البلطيق مع تصعيد أوكرانيا ضرباتها ضد أهداف روسية في منطقة سانت بطرسبرغ، القريبة من إستونيا وفنلندا.
وفي المؤتمر الصحافي الذي عُقد الثلاثاء، أقرت فون دير لاين بأن “هذه الحوادث كشفت عن مكامن ضعف”، وحذرت من أن استخدام موسكو هذا التكتيك قد ينتشر غرباً، قائلة: “ما تشهدونه اليوم قد يواجهه باقي دول أوروبا غداً”.
تنديد دولي واسع
إلى ذلك، ندّد نحو خمسين دولة والاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، بما وصفته بـ”التهديدات الأخيرة” التي وجهتها موسكو للدبلوماسيين في كييف، وذلك في بيان مشترك بالأمم المتحدة. وقال ممثل أوكرانيا لدى الأمم المتحدة أندريه ميلنيك، في مؤتمر صحافي: “نُدين التهديدات الأخيرة التي وجّهتها روسيا ضد المؤسسات الدبلوماسية والسفارات في كييف. هذا أمر لا يمكننا قبوله”. وأضاف: “بلغت روسيا مستوى غير مسبوق من العدوان على أوكرانيا بتصعيد هجماتها على المدنيين والبنى التحتية المدنية”. وتابع: “إن الهجمات على المدنيين وممتلكاتهم والبنية التحتية الحيوية للطاقة في أوكرانيا تُشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ويجب أن تتوقف فوراً”.
وفي اجتماع لاحق لمجلس الأمن، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن “قلقه البالغ” إزاء التهديدات الروسية ضد البنى التحتية الأوكرانية. وقال غوتيريش: “الآن أكثر من أي وقت مضى، بات من الضروري تجنب أي تصعيد لهذا الصراع الذي ألحق خسائر فادحة بالمدنيين، ويُهدد بجعل البحث عن السلام أكثر صعوبة، مُطيلاً أمد معاناة السكان”.
عرض أميركي للوساطة
عرضت واشنطن الوساطة بين موسكو وكييف عقب تكثيف روسيا هجماتها على أوكرانيا، وكذلك بعد اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره سيرغي لافروف.
أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الثلاثاء، استعداد واشنطن للوساطة في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، بعدما لوّحت موسكو بشن ضربات جديدة على كييف. وحضت روسيا الرعايا الأجانب والدبلوماسيين الموجودين في كييف على مغادرتها، معلنة عزمها شن المزيد من الضربات على العاصمة الأوكرانية، بما في ذلك “مراكز صنع القرار”.
وقال روبيو، في تصريح للصحافيين من الهند: “في كل مرّة نشهد فيها ضربات كبيرة من هذا الطرف أو ذاك، يشكّل ذلك تذكيراً بمدى فظاعة هذه الحرب التي طالت أكثر من الحرب العالمية الثانية، ويجب أن تنتهي”. وأضاف: “الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد لبذل كل ما في وسعها للمساعدة في إنهاء هذه الحرب، ونأمل في أن تتوفّر الفرصة لذلك في مرحلة ما”.
على المستوى الميداني، أودى قصف روسي ليلي بحياة رجل يبلغ 45 عاماً في مدينة أوديسا، وفق ما أفاد به مسؤول إقليمي عبر تلغرام. وأسفر الهجوم الروسي خلال عطلة نهاية الأسبوع عن مقتل 4 أشخاص، فضلاً عن أضرار واسعة في العاصمة كييف. ومن بين الأسلحة المستخدمة في الهجوم الروسي، الصاروخ الفرط صوتي “أوريشنيك” الذي يمكنه بلوغ سرعة تفوق سرعة الصوت بعشر مرات والقادر على حمل رؤوس نووية.
وجاءت الضربات بعد اتهام موسكو كييف باستهداف مدرسة مهنية في منطقة لوغانسك الخاضعة لسيطرة الأولى؛ ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً. وعلى هذه الخلفية، أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجيش بالردّ.
وقال رئيس مجلس الدوما الروسي فياتشيسلاف فولودين، في بيان صحافي للبرلمان، الثلاثاء: “يمكن أن يؤدي بنا كل هذا إلى استخدام سلاح لا يُبقي أثراً لأي أحد”. وحذر من السماح بتصعيد الوضع إلى ذلك الحد.
وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان: “ستستهدف الضربات مراكز صنع القرار ومراكز القيادة… نحضّ الرعايا الأجانب، بمن فيهم موظفو البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، على مغادرة المدينة في أقرب وقت ممكن”. وأفادت الوزارة بأن لافروف نقل هذا التحذير إلى نظيره الأميركي خلال الاتصال بينهما، ودعاه إلى إجلاء الدبلوماسيين الأميركيين. لكن روبيو أوضح الثلاثاء أن روسيا “وجهت الإخطار إلى جميع السفارات”، وليس فقط إلى البعثة الأميركية.
تعزيزات أطلسية في البلطيق
وأعلن مصدران مطلعان لوكالة رويترز أن حلف شمال الأطلسي سيعزز الدفاع في جناحه الشرقي من خلال هيكل جديد من شأنه تسهيل النشر السريع للقوات في لاتفيا وإستونيا في حال اندلاع حرب مع روسيا. وتخضع قوات الحلف في دول البلطيق الثلاث (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا)، وكذلك شمال بولندا، في الوقت الحالي لقيادة مقر واحد متعدد الجنسيات بمدينة شتيتشين البولندية.
ويؤكد التغيير المزمع الأهمية الاستراتيجية لدول البلطيق التي صارت محط اهتمام منذ غزو روسيا أوكرانيا. وقال مسؤول عسكري إن من شأن تخصيص فيلق ثان للمنطقة أن يسمح للحلف بـ”التحرك السريع بأعداد كبيرة” للتعامل مع العمق الاستراتيجي المحدود للمنطقة وهشاشتها. وعندما يعمل الفيلق بكامل طاقته، فإنه عادة ما يقود 3 فرق، أو ما بين 40 ألفاً و60 ألف جندي. وفي أوقات السلم، يكون الفيلق عادة هيكل قيادة محدوداً، مع وجود وظائف مختصة، مثل المدفعية والدفاع الجوي والخدمات الطبية، وذلك للسماح بالنشر السريع للقوات عند الحاجة.
وقالت مصادر عسكرية لرويترز إن ألمانيا وهولندا توصلتا، بالتنسيق مع الحلف، إلى اتفاق لتكليف الفيلق الألماني – الهولندي، الذي سيكون مقره مدينة مونستر الألمانية، الدفاع عن لاتفيا وإستونيا. وتزداد مسؤولية الدول الأعضاء في الحلف عن أمنها، وسط انتقادات شديدة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي اتهم مؤخراً الأعضاء الأوروبيين بعدم تقديم الدعم في الحرب مع إيران، وأعلن أن واشنطن ستسحب 5 آلاف جندي أميركي من ألمانيا. وقالت المصادر إن الاتفاق تجاوز العقبة الأخيرة، التي كانت تتمثل في عدم وجود ما يكفي من الجنود للفيلق، مشيرة إلى الحد الضروري من القدرة التي يحتاجها أي فيلق في مجالات مثل المدفعية بعيدة المدى والدفاع الجوي، فضلاً عن المهندسين والمسعفين.
وقالت المصادر إن ألمانيا وهولندا ستعملان في الوقت الراهن، بالتعاون مع شركاء آخرين، على تعزيز هذه القوات. ولم يتضح بعد متى سيدخل القرار حيز التنفيذ وعدد الجنود الذين سيخضعون لقيادة الوحدة الجديدة في أي صراع. وقالت وزارة الدفاع الهولندية إنه “يجري العمل حالياً على مزيد من التفاصيل” لمهمة الفيلق، ورفضت التطرق لتفاصيل.
ويحذر مسؤولون في الحلف منذ سنوات من تصاعد التهديد من روسيا التي يقولون إنها قد تشن هجوماً واسع النطاق على أراضي دول أعضاء في الحلف خلال وقت قريب قد يكون عام 2029. وتنفي موسكو أي نيات عدوانية، وتتهم الحلف بتأجيج التوتر من خلال التوسع في الأراضي المجاورة.



