الرئيسيةعربي و عالميالحرب على إيران تعيد صياغة دور...
عربي و عالمي

الحرب على إيران تعيد صياغة دور أوكرانيا في ساحة النزاع الدولية

منحت الحرب الأمريكية –الإسرائيلية –إيران أوكرانيا موقعًا سياسيًا وعسكريًا لم يكن محسوبًا قبل أشهر قليلة. في خريف العام الماضي، كانت كييف تحت ضغط ميداني، مالي، ودبلوماسي متزايد، لكنها وجدت نفسها فجأة في موقف مختلف: لا تحتاج فقط إلى الأسلحة والتمويل، بل تتحول إلى طرف يمتلك خبرة قتالية مطلوبة في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة.

ابتكار أوكرانيا في مجال المسيّرات

أفادت تقارير صحافية غربية أن توسع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد إلقاء الضوء على التجربة الأوكرانية، التي قضت أربع سنوات في التعامل اليومي مع طائرات “شاهد” وأنماط حرب رخيصة وكثيفة أصبحت سمة معظم النزاعات الحديثة. نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أوكرانيين أن كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تؤدي إلى استثمارات وتصنيع مشترك. وفقًا لنائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيّر هذا المسار صورة أوكرانيا من “مستهلك للأمن” إلى “مساهم فيه”.

التأثير السياسي والتفاوضي على مستوى الرئيس

يُرى أن هذا التحول يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقة تفاوضية لم تكن واضحةً عندما قال له ترامب سابقًا إنه “لا يملك الأوراق”. فقد جعلت الحرب على إيران ما كانت أوكرانيا يملكه في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجية قابلة للتصدير: اعتراض المسيّرات، استخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، تحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

المسيّرات كأداة استراتيجية خارج الحدود الأوكرانية

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يوميًا، أن تعوض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. لم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية؛ فقد أصبحت المسيّرات والصواريخ المحلية الصنع تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تُعد بعيدةً عن الحرب. نقلت الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن “الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو”، وهو ما يُعبر عن تصور أوكراني جديد يهدف إلى رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حد يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

تحذيرات محللين حول مدى الاستدامة والتحديات الروسية

في المقابل، يحذر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. نقلت الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكّر بأن الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيّف، وأن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تشير تقديرات غربية إلى أن التقدّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. يوضح المحللون أن تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشرية، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أن ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

يُرى ألكسندر غابويف، مدير “مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا”، أن بوتين، لو كان يتحرك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في “رجل عنيد يقود روسيا” ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

التأثير الداخلي على سيادة بوتين وصورة الحرب

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية “النصر” التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادرًا على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

نقلت “وول ستريت جورنال” عن محللين أن الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيّرًا في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ”يوم النصر”، كلها عناصر تجعل صورة “الرجل القوي” أقل صلابة.

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهي معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهونًا بقدرة كييف على تحويل التفوق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.