الرئيسيةعربي و عالميالفضة بين توترات الشرق الأوسط وت...
عربي و عالمي

الفضة بين توترات الشرق الأوسط وت tightening الفيدرالي: هل تستعد لارتفاع جديد؟

تعيش الفضة مرحلة حساسة في مسار الأسواق العالمية، حيث تتقاطع الأبعاد الجيوسياسية مع المتغيرات النقدية والاقتصادية، ما يجعل توقعات هذا المعدن الأبيض أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. وعلى الرغم من ثبات السعر حول مستوى 63 دولارًا للأونصة بعد تدفق ضغط بيعي، فإن تحركاته لا يمكن تفسيرها فقط بالتحليل الفني، بل تستدعي النظر إلى سياق أوسع يشمل توترات الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، ومؤشرات التضخم العالمية، بالإضافة إلى مسار السياسة النقدية للولايات المتحدة في الأشهر المقبلة.

التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على الفضة

من وجهة نظري، العامل الأكثر تأثيرًا على الفضة الآن هو تراجع الأمل في التوصل إلى اتفاق دائم بين واشنطن وطهران. كلما زادت الشكوك حول مسار الدبلوماسية، ارتفعت احتمالات استمرار التوتر في منطقة تُعد شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية. هذا لا يقتصر أثره على أسعار النفط فحسب، بل يمتد إلى توقعات التضخم وأسواق السلع والمواد الخام عمومًا. وعند ارتفاع مخاطر التضخم نتيجة اضطرابات محتملة في إمدادات النفط، يعيد المستثمرون تقييم محافظهم بحثًا عن أدوات تحفظ القيمة أمام تآكل القوة الشرائية للعملات.

كما أن تصريحات الرئيس الأمريكي السابقة حول إمكانية توجيه ضربات مباشرة لإيران إذا استمر التصعيد الإقليمي أضافت بعدًا جديدًا من عدم اليقين إلى الساحة الدولية. الأسواق بطبيعتها لا تحتمل الضبابية، لذا فإن أي إشارة إلى توسع نطاق الصراع أو تعثر المفاوضات عادةً ما تدفع المتداولين للجوء إلى الأصول الدفاعية والملاذات الآمنة. وعلى الرغم من أن الذهب يظل الخيار التقليدي في مثل هذه الظروف، فإن الفضة غالبًا ما تستفيد من تدفقات رأس المال تلك، لا سيما عندما تتزامن المخاطر الجيوسياسية مع مخاوف تضخمية متصاعدة.

تأثير سياسة الفيدرالي على أسعار الفضة

الصورة ليست كلها تفاؤل بالنسبة للفضة. التحدي الأكبر الذي يواجه المعدن الأبيض يكمن في استمرار سياسة الاحتياطي الفيدرالي المتشددة. فقد أعلن البنك المركزي الأمريكي مؤخرًا عن تثبيت أسعار الفائدة، مرسلاً رسالة واضحة إلى الأسواق بأنه لا يزال قلقًا بشأن التضخم، وأن احتمال رفع الفائدة مرة أخرى لا يزال قائمًا. في رأيي، هذه الرسائل قد تؤثر على الفضة أكثر من أي قرار فوري، إذ إن الأسواق تستجيب لتوقعات المستقبل المتوقعة أكثر من ردود الفعل الفورية.

عند ارتفاع معدلات الفائدة أو استمراريتها عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، تصبح تكلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرة للعائد أعلى نسبيًا، ما يخلق ضغطًا مباشرًا على المعادن الثمينة وعلى الفضة بشكل خاص. لذا فإن أي موجة صعود محتملة للفضة ستواجه اختبارًا صعبًا أمام قوة الدولار الأمريكي وعوائد السندات الأمريكية المرتفعة. إذا نجح الدولار في الحفاظ على زخمه الحالي، قد نشهد فترات من التذبذب وتصحيح الأسعار رغم وجود عوامل جيوسياسية داعمة.

الطلب الصناعي كدعم هيكلي للفضة

جانب غالبًا ما يغفل عنه المحللون على المدى القريب هو الطلب الصناعي المتصاعد على الفضة. التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، وتوسيع استخدام الألواح الشمسية، وتقدم الصناعات الإلكترونية والتقنيات الحديثة كلها عوامل تعزز الطلب طويل الأجل على هذا المعدن. من وجهة نظري، هذا الطلب الهيكلي يشكل قاعدة صلبة تدعم الفضة وتقلل من احتمالات حدوث انهيارات سعرية عميقة مماثلة لتلك التي شهدتها دورات سابقة.

آفاق مستقبلية وتوقعات الأسعار

أعتقد أن الأسواق قد تكون على وشك إعادة تسعير مخاطر التضخم العالمية خلال النصف الثاني من العام. إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع نتيجة التوترات الجيوسياسية أو اضطرابات محتملة في مضيق هرمز، قد تعود الضغوط التضخمية إلى الواجهة بحدة أكبر مما يتوقعه المتداولون حاليًا. في مثل هذا السيناريو، قد تستفيد الفضة من عاملين متزامنين: دورها كأصل تحوطي ضد التضخم، واستمرار الطلب الصناعي المتعلق بالنمو الاقتصادي العالمي.

استنادًا إلى هذه المعطيات، أميل إلى الاعتقاد بأن الاتجاه العام للفضة يظل إيجابيًا على المدى المتوسط، رغم احتمال استمرار التقلبات الحادة على المدى القصير. المعدن يتحرك الآن بين قوتين متعارضتين؛ الأولى داعمة للأسعار وتشمل المخاطر الجيوسياسية وتوقعات التضخم والطلب الصناعي، والثانية ضاغطة تمثل تشدد الفيدرالي وقوة الدولار. في رأيي، قد تميل الكفة تدريجيًا لصالح العوامل الداعمة إذا استمرت حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي عالميًا.

بناءً على ذلك، أتوقع أن تظل الفضة قادرة على جذب المستثمرين في الفترة القادمة، مع احتمال استهداف مستويات أعلى من الحالية إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وتفاقمت مخاطر التضخم. أما السيناريو السلبي الذي أتابعه عن كثب فيتمثل في نجاح الفيدرالي في الحفاظ على توقعات الفائدة المرتفعة لفترة طويلة مع هدوء التوترات السياسية، وهو ما قد يدفع الفضة إلى دخول مرحلة تصحيح أعمق. ومع ذلك، أرى أن المسار الاستراتيجي للمعدن الأبيض ما يزال يميل إلى الصعود، وإن كان الطريق إلى مستويات أعلى سيظل مليئًا بالتقلبات والتحديات التي تستدعي من المستثمرين توخي الحذر والانضباط في إدارة المخاطر.