الرئيسيةعربي و عالميالفطر الأسود في تشيرنوبيل: هل يستغل...
عربي و عالمي

الفطر الأسود في تشيرنوبيل: هل يستغل الإشعاع كمصدر طاقة؟

الفطريات المشعة في تشيرنوبيل

بعد أكثر من أربعة عقود على كارثة تشيرنوبيل النووية، ما تزال المنطقة تكشف عن ظواهر بيولوجية غير مألوفة. من بين هذه الظواهر فطريات ذات لون داكن قادرة على البقاء في بيئات شديدة التلوث بالإشعاع. أظهرت تجارب مخبرية أن نمو بعض هذه الفطريات يزداد عندما تتعرض لمستويات محددة من الإشعاع المؤين.

دور الميلانين والتفاعل مع الإشعاع

من بين الفطريات الملحوظة فطر «كلادوسبوريوم سفيروسبرمم» الغني بصبغة الميلانين، الذي عُثر عليه داخل منشآت الاحتواء التابعة للمفاعل الرابع في محطة تشيرنوبيل. لا تقتصر أهمية هذا الفطر على تحمله للإشعاع فقط؛ بل تشير أبحاث إلى أن الميلانين قد يساعده على التعامل مع الطاقة الإشعاعية بطريقة أكثر تعقيداً. ملاحظات الباحثين أظهرت أن الأنواع الحاوية على الميلانين تنتشر أكثر في المواقع ذات أعلى مستويات التلوث الإشعاعي، ما يعزز فكرة أن هذه الصبغة تمنحها مقاومة إضافية للظروف القاسية.

يُعرف الميلانين بقدرته على امتصاص طيف واسع من الإشعاع وتخفيف الأضرار التي قد تلحق بالخلايا. أظهرت أبحاث أن تأثيره الوقائي يرتبط بتركيبه الكيميائي وقدرته على تحييد جزيئات نشطة تتشكل عند تعرّض الخلايا للإشعاع. في دراسة نُشرت عام 2007 في دورية “بلوس ون”, وجد أن الإشعاع المؤين يغير بعض الخصائص الإلكترونية للميلانين ويعزز قدرته على نقل الإلكترونات.

كما سجلت تجارب أن فطريات ميلانينية تحقق نمواً ونشاطاً أيضياً أكبر بعد تعرّضها للإشعاع، وظهر نفس الاتجاه مع فطر «كلادوسبوريوم سفيروسبرمم» عندما نمت في بيئة محدودة العناصر الغذائية.

فرضية التخليق الإشعاعي والتجارب الفضائية

هذه النتائج أدت إلى طرح فرضية تُعرف باسم “التخليق الإشعاعي”, وتقترح أن الميلانين قد يساعد بعض الفطريات على التقاط جزء من طاقة الإشعاع المؤين والاستفادة منها، شبيهة بطريقة استخدام النباتات لضوء الشمس في التمثيل الضوئي. ومع ذلك، لا يعني هذا التشبيه أن الفطر يجري عملية مماثلة للتمثيل الضوئي؛ فلم يُحدد بعد مسار أيضي متكامل يوضح كيفية تحويل الإشعاع إلى طاقة كيميائية قابلة للاستخدام، ولم يثبت أن العملية تؤدي إلى تثبيت الكربون.

لذلك يبقى القول إن الفطر “يتغذى على الإشعاع” وصفاً مبسطاً لفرضية لم تُحسم بعد. ما هو ثابت علمياً أن الميلانين يساعد الفطريات على مقاومة الأضرار الإشعاعية، مع وجود أدلة تجريبية على أن الإشعاع قد يعزز نمو بعضها ونشاطها الأيضي في ظروف محددة.

لم تقتصر الدراسة على تشيرنوبيل؛ إذ أُرسل فطر «كلادوسبوريوم سفيروسبرمم» إلى محطة الفضاء الدولية لاختبار نموه وقدرته على تخفيف الإشعاع. خلال تجربة استمرت نحو شهر، سجلت أجهزة قياس وضعت أسفل طبقة فطرية لا يتجاوز سمكها مليمترين انخفاضاً محدوداً في مستوى الإشعاع مقارنة بالجانب الضابط، كما أشارت النتائج إلى نمو أكبر للفطر في بيئة المحطة.

لكن هذه النتائج لا تزال أولية؛ نُشرت الدراسة على منصة للمسوّدات العلمية ولم تمر بعملية التحكيم العلمي التقليدي، وكانت التجربة صغيرة ومحدودة، ولا تثبت أن الفطر يستطيع بمفرده توفير الحماية اللازمة للبشر في الفضاء.

يبحث الباحثون عن إمكانية الاستفادة من الفطريات الميلانينية أو الميلانين المستخلص منها ودمجه بمواد أخرى لتطوير دروع إشعاعية قابلة للتجدد خلال الرحلات الفضائية الطويلة.

يظل الثابت أن بعض الفطريات الداكنة تمتلك قدرة لافتة على تحمل البيئات الإشعاعية، وأن الميلانين يلعب دوراً مهماً في حمايتها وربما في تعزيز نموها. أما تحويل الإشعاع نفسه إلى مصدر مباشر للطاقة الحيوية، فلا يزال لغزاً علمياً ينتظر دليلاً حاسماً.