من صواريخ التنف إلى أنبوب بانياس: سوريا في قلب صراع النفوذ الإقليمي

رغم أن الصواريخ التي أطلقها الحرس الثوري الإيراني سقطت في منطقة صحراوية خالية، بحسب ما أفاد به مصدر عسكري سوري، ولم تصب القاعدة التي أعلنت طهران استهدافها، فإن الرسالة السياسية والإعلامية للعملية تجاوزت بكثير تأثيرها العسكري. فالقوات الأمريكية كانت قد غادرت الموقع قبل أشهر، وتسلّمت القوات السورية السيطرة عليه، لكن إيران أصرّت على وصف الهجوم بأنه استهدف “مركز قيادة للعمليات الخاصة الأمريكية”، مما أكسب العملية بعداً استراتيجياً يتجاوز الميدان.
توقيت الضربة وعلاقته بشحنة الأسلحة
لم يكن توقيت القصف الإيراني عابراً، إذ جاء بعد ساعات فقط من إعلان السلطات السورية إحباط شحنة أسلحة. ورغم عدم وجود أدلة معلنة تربط الحدثين بشكل مباشر، فإن التزامن الزمني يفتح الباب أمام قراءة تربط بينهما، خاصة أن منطقة التنف تقع قرب المثلث الحدودي الذي ظل لسنوات ممراً رئيسياً للإمدادات بين العراق وسوريا ولبنان.
بيان وزارة الداخلية السورية بشأن ضبط الشحنة لم يكن مجرد بيان أمني، بل حمل دلالة سياسية واضحة. فالدولة السورية الجديدة تسعى لتقديم نفسها كدولة تستعيد سيادتها على حدودها، وتحارب الإرهاب، وتغلق الممرات غير الشرعية التي ازدهرت في عهد النظام السابق، سواء لتهريب السلاح أو المخدرات أو تحرك الميليشيات.
خط أنابيب كركوك/بانياس: مشروع يعيد رسم خريطة الطاقة
لكن شحنة الأسلحة وحدها لا تفسر حساسية التوقيت، فقبل أيام فقط أعلنت دمشق وبغداد توقيع مذكرة تفاهم لإحياء خط أنابيب كركوك/بانياس، وهو مشروع ظل معطلاً سنوات طويلة قبل أن يعود إلى الواجهة بدعم أمريكي. كما وقعت سوريا مذكرة مع ائتلاف يضم شركة “شيفرون” وشركاء دوليين لإعداد الدراسات الفنية والمالية اللازمة لإعادة تشغيل الخط. ورحبت الخارجية الأمريكية بالمشروع، معتبرة إياه خطوة مهمة لتعزيز البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
لا يقتصر الأمر على إحياء أنبوب نفط قديم، بل يتعلق بإعادة رسم خريطة الممرات في المشرق. فالعراق يعتمد حالياً بشكل كبير على موانئ الخليج لتصدير نفطه، بينما يمنحه خط كركوك/بانياس منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط. كما ينسجم المشروع مع توجه أمريكي لتنويع طرق نقل الطاقة وتقليل هشاشة الإمدادات في حال تعرض مضيق هرمز لأي اضطرابات.
تراجع القيمة الاستراتيجية لأوراق الضغط الإيرانية
من هنا تبرز أهمية المشروع، فإلى جانب خط شرق/غرب داخل السعودية، يمكن لمشروع كركوك/بانياس أن يمنح العراق منفذاً إضافياً على البحر المتوسط. وكل برميل نفط يصل مستقبلاً إلى المتوسط من دون المرور بهرمز يعني تراجعاً تدريجياً في القيمة الاستراتيجية لأهم أوراق الضغط التي تمتلكها إيران.
من هذا المنظور، لا تبدو التحولات الجارية في سوريا مجرد شأن داخلي. فاليوم، تسعى دمشق إلى تغيير وظيفة هذه الجغرافيا؛ فبدلاً من أن تكون ممراً للصواريخ وشبكات التهريب والميليشيات، تريد أن تصبح ممراً لخطوط النفط والتجارة والاستثمار، مع تشديد السيطرة على الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتجفيف شبكات تهريب السلاح والمخدرات.
معركة المشرق: من السيطرة على القواعد إلى السيطرة على الطرق
قد لا تكون صواريخ التنف قد غيّرت شيئاً على الأرض، لكنها كشفت أن معركة المشرق لم تعد تدور حول السيطرة على قاعدة عسكرية، بل حول السيطرة على الطرق التي سترسم موازين القوة في السنوات المقبلة. هكذا يبدو المشهد في سوريا اليوم: طريق حمل لسنوات السلاح والمخدرات وشبكات النفوذ سابقاً، وطريق يُراد له أن يحمل النفط والاستثمار والعلاقات الطبيعية بين البلدان. وبين الطريقين تحاول سوريا أن ترسم لنفسها دوراً جديداً. وإذا استمر هذا المسار، قد تجد سوريا نفسها في قلب المعركة لو احتدم الصراع الأمريكي الإيراني.



