التصعيد في اليمن يعمق الأزمة الإنسانية ويقطع المساعدات والاتصالات عن تعز

تفاقمت الأوضاع الإنسانية في اليمن مع استمرار التصعيد العسكري بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي على جبهات متعددة، مما أدى إلى تدهور كبير في الوصول إلى المساعدات الأساسية وزيادة أعداد الجرحى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة.
انقطاع المساعدات وتحذير برنامج الأغذية العالمي
حذر برنامج الأغذية العالمي من أن تصاعد النزاع تسبب في انقطاع المساعدات المنقذة للحياة عن عدد كبير من السكان، مشيرًا إلى أن تحرك خطوط المواجهة وإغلاق الطرق وارتفاع مستويات انعدام الأمن يعرقل بشكل شديد وصول الإغاثة إلى مدينة تعز ومناطق أخرى متأثرة بالقتال.
وأوضح البرنامج أنه لا يستطيع هو وشركاؤه الوصول إلى أكثر من ستمائة ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات، من بينهم أكثر من مئتي ألف امرأة وطفل.
عند إضافة المجتمعات التي انقطع الوصول إليها على الساحل الغربي لليمن منذ أوائل سبتمبر، يرتفع إجمالي عدد الأشخاص الذين يتعذر على البرنامج الوصول إليهم إلى ثمانمائة ألف نسمة.
وأشار البيان إلى أن مديريات تعز، التي تعد ثالث أكبر مدن اليمن، تستضيف أكبر أعداد النازحين داخليًا منذ بداية الأزمة، وأن استمرار القتال وإغلاق الطرق الوشيك يحول دون الوصول إلى العديد منهم.
لفت البرنامج إلى أن تعز تسجل بعضًا من أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي في البلاد، حيث صنفت عشر مديريات من أصل шестнадцать عند مستوى الطوارئ (المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي).
ونبه إلى أن مخزونات دقيق القمح أوشكت على النفاد، وأن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى لفترة قصيرة إذا استمرت القيود على الوصول إلى تلك المناطق.
وقال ممثل البرنامج ومديره القُطري في اليمن إن القلق يزداد إزاء تصاعد النزاع، لكنه يزداد أكثر بسبب تزايد أعداد الأشخاص الذين لم يعد بالإمكان الوصول إليهم نتيجة لهذا النزاع، مضيفًا أن العديد من الأسر المتضررة نزحت عدة مرات وكانت تعاني بالفعل من صعوبة تحمل تكلفة حتى المواد الغذائية الأساسية، وهذا النوع من الأوضاع قد يتدهور سريعًا ليصبح كارثة إنسانية إذا لم تُقدم المساعدات بأمان وتصل إلى من هم في أمس الحاجة إليها.
ضغط شديد على المستشفيات وتحذير اللجنة الدولية للصليب الأحمر
حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن مستشفيات اليمن تكافح بشكل مضن لاستيعاب الأعداد المتزايدة غير المسبوقة من جرحى الحرب، نتيجة استمرار التصعيد العسكري في البلاد.
وأوضحت المنظمة أن احتدام القتال عبر مناطق اليمن يجبر المستشفيات على خوض كفاح مضن من أجل استيعاب الأعداد المتزايدة من جرحى الأسلحة، في ظل نظام صحي هش يعاني أصلًا من نقص حاد في المستلزمات الطبية والكوادر البشرية والرعاية المتخصصة.
شهدت جميع خطوط المواجهة تدفقًا كبيرًا وغير مسبوق لحالات جرحى الأسلحة، وتتحمل المرافق الصحية في مأرب (وسط) وتعز ومنطقة ساحل البحر الأحمر (غرب) النصيب الأكبر من عبء الضحايا الذين يسقطون جراء القتال.
وأضافت أن بعض المرافق الواقعة على خطوط المواجهة سجلت استقبال أكثر من سبعمائة حالة خلال أسبوع واحد، وأصبح تدفق حالات الإصابات الجماعية يتكرر بشكل متزايد.
ونقل البيان عن منسق الخدمات الصحية باللجنة الدولية قوله إن الكوادر المختصة برعاية الإصابات الرضحية تواجه ضغطًا هائلًا، إذ إن عددا قليلا فقط من المرافق الصحية العاملة في اليمن لديه القدرة على تقديم رعاية شاملة للإصابات الرضحية، بينما تستقبل المستشفيات الواقعة على خطوط المواجهة جرحى بأعداد كبيرة في وقت تعاني فيه شح المستلزمات الجراحية ومستلزمات التخدير والأكسجين والأدوية.
وأضاف أن العاملين في الرعاية الصحية مضطرون إلى التعامل مع حالات الطوارئ هذه مع الاستمرار في تقديم الرعاية الصحية الأساسية للأمهات والأطفال وذوي الأمراض المزمنة.
ولفت إلى أن مرور أكثر من عقد على النزاع أسفر عن صعوبات اقتصادية ونزوح وتفشي الأمراض التي قوّضت قدرة الخدمات الصحية في اليمن على استيعاب ارتفاع جديد ومفاجئ في الاحتياجات.
وأشار إلى أن اللجنة الدولية استأجرت طائرات وشاحنات لإيصال خمسمائة طن من المستلزمات الطبية المنقذة للأرواح إلى صنعاء وعدن، بهدف تعويض نقص المخزونات التي أوشكت على النفاد ودعم المستشفيات التي تعالج الحالات المتزايدة من جرحى الأسلحة.
قطع الاتصالات وإمدادات الغاز في تعز
أعلنت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات اليمنية أن جماعة الحوثي قطعت خدمات الإنترنت والاتصالات في محافظة تعز، معتبرة ذلك ممارسة ممنهجة ضد المدنيين.
وحذرت الوزارة من مخاطر استغلال قطع هذه الخدمات للتغطية على الانتهاكات الحوثية التي يتعرض لها المواطنيين وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، وفي مقدمتها حقهم في التواصل والحصول على الخدمات الأساسية.
وبينت أن المليشيا استخدمت شبكات الاتصالات وبنيتها التحتية الواقعة تحت سيطرتها في دعم عملياتها العسكرية الإرهابية، وتوظيفها في أنشطة مرتبطة بتشغيل الطائرات المسيّرة والمقذوفات، وتنفيذ عمليات التجسس والمراقبة وجمع المعلومات، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالمواطنين، في انتهاك لخصوصيتهم وأمنهم.
واتهمت الوزارة جماعة الحوثي بأنها استخدمت الشبكات المدنية لنشر الأخبار الزائفة وبث الشائعات والمعلومات المضللة التي تخدم أهدافها، وإرسالها إلى المواطنين في مختلف المناطق، فضلًا عن تعمد قطع الخدمات في مناطق الاشتباكات وتوظيفها لخدمة أغراضها العسكرية والأمنية.
ودعت الوزارة جميع المهندسين والفنيين والعاملين في قطاع الاتصالات في صنعاء إلى التمسك بمسؤولياتهم المهنية والوطنية، وعدم الاستجابة لأي توجيهات تهدف إلى تسخير الشبكات المدنية لخدمة العمليات العسكرية أو التجسس أو الإضرار بالمواطنين، والعمل على حماية المنشآت والمعدات وضمان استمرار الخدمات بعيدًا عن الاستخدامات العسكرية والأمنية الإرهابية.
ولفتت إلى أن الحكومة تعمل على توفير بدائل آمنة ومستقلة للاتصالات والإنترنت في المناطق المحررة، لضمان عدم انقطاع الخدمة عن المواطنين.
ولم يصدر تعليق فوري من الحوثيين بشأن هذا البيان.
وأوضحت مراسلة الأناضول أن معظم خدمات الإنترنت والاتصالات في اليمن تقع في العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين منذ عام 2014.
وفي سياق متصل، اتهمت السلطات اليمنية الحكومية في تعز جماعة الحوثي بمنع وصول إمدادات الغاز إلى المدينة، وفقًا لبيان صادر عن مكتب الشركة اليمنية للغاز في محافظة تعز.
وأدان البيان منع مليشيات الحوثي الإرهابية وصول إمدادات الغاز المنزلي إلى مدينة تعز، محذرًا من تداعيات هذه الممارسات على الأوضاع المعيشية للمواطنين في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة.
ولفت إلى أن الغاز المنزلي يُعد من الاحتياجات الأساسية للأسر، وأن منع وصوله يفاقم معاناة المواطنين ويمس حقوقهم وكرامتهم الإنسانية.
وشدد على أن استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلةً للضغط على السكان أمر مرفوض.
وطالب البيان برفع القيود والعوائق التي تحول دون وصول إمدادات الغاز إلى المدينة بصورة منتظمة وآمنة.
ودعا المنظمات الحقوقية والإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل العاجل والضغط لإنهاء الأزمة، وضمان استمرار تدفق الغاز وسائر الاحتياجات الأساسية دون عوائق.
وأكد أن توفير المواد الأساسية للمواطنين مسؤولية إنسانية لا ينبغي استخدامها وسيلةً للضغط على السكان.
ولاقى الوضع في تعز اهتمامًا كبيرًا من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين دعوا إلى سرعة تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.
وقال الكاتب والباحث اليمني ياسين التميمي، في حسابه على منصة فيسبوك، إن مدينة تعز تتعرض حاليًا لحصار خانق نتج عنه وضع إنساني ومعيشي بالغ الصعوبة، مضيفًا أن على الحكومة أن تطلب من الوكالات الدولية التحرك الفوري لتأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ورعاية صحية.
وطالب التميمي الصليب الأحمر الدولي بأن يتحرك لفتح الطريق أمام السلع الأساسية الآتية من ميناء عدن التي يستوردها التجار، كما كان عليه الحال قبل الإطباق الكامل على مدينة تعز من قبل الحوثيين.
وأشار الناشط الحقوقي رياض الدبعي إلى أن الحصار المستمر الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز من كل الجهات يؤدي إلى تعرض الأحياء السكنية للقصف باستمرار، ما يفاقم معاناة المدنيين ويعرض الأرواح للخطر، بينما تحاول الجماعة اقتحام المدينة.
وأضاف الدبعي، في حسابه على منصة إكس، أن المدنيين في تعز يظلون محاصرين بين حصار لا يتوقف وقصف مستمر لأحيائهم ومنازلهم، ويواجهون تهديدات متزايدة لحياتهم وممتلكاتهم.
وتستمر، للأسبوع العاشر، عملية “فجر اليمن” العسكرية، التي أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة من جماعة الحوثي والسيطرة على العاصمة صنعاء.
ويأتي ذلك في إطار تصعيد عسكري بدأ في يوليو/تموز الماضي، وهو الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي شهده اليمن بفضل هدنة بدأت في أبريل/نيسان 2022.
ويشهد اليمن حربًا منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء ومحافظات عدة في سبتمبر/أيلول 2014، قبل تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015 دعما للحكومة اليمنية.










