الرئيسية›عربي و عالمي›فهم عقلية الاستحقاق وتأثيرها على العلاقات
عربي و عالمي

فهم عقلية الاستحقاق وتأثيرها على العلاقات

نشأة عقلية الاستحقاق

ليس كل من يطلب الانتباه يعرف كيف يقدمه، وليس كل من ينتظر المواقف مستعدًا للوقوف مع الآخرين. هناك نمط تفكير يجعل الفرد يرى احتياجاته أولوية تستحق الاستجابة، بينما ينظر إلى احتياجات المحيطين به باعتبارها مطالب إضافية يمكن قبولها أو رفضها. في هذا النمط تصبح العلاقة مساحة للحصول على ما نريد، لا مساحة نتعلم فيها كيف نتبادل العطاء والاحتواء والمسؤولية.

تشكل هذه العقلية أحيانًا من اعتقاد راسخ بأن الفرد يستحق معاملة خاصة، وقد تتغذى من تنشئة اعتادت تلبية رغباته دون تعليمه مراعاة احتياجات الآخرين، أو من تجارب جعلته يضع نفسه في مركز اهتمامه باستمرار. وقد ترتبط أيضًا بضعف القدرة على التعاطف أو صعوبة الاعتراف بالخطأ. ومع ذلك، فإن فهم الأسباب لا يبرر السلوك؛ فكل فرد له احتياجات مشروعة، لكن مشروعيتها لا تمنحه امتيازًا دائمًا على حساب الآخرين.

ازدواجية المعايير في السلوك

ومن أبرز خفايا هذا النمط ازدواجية المعايير: عندما يحتاج الفرد إلى الدعم، تصبح ظروفه وأعذاره ومشاعره أسبابًا كافية لتفهّمه، لكنه حين يُطلب منه موقف معنوي أو احتواء نفسي، قد يرى الطلب مبالغة أو ضغطًا أو تدخلًا في حريته. إنه يريد أن يُفهَم دون أن يبذل الجهد نفسه لفهم غيره، وأن يُغفر له التقصير، بينما يصعب عليه تقبّل تقصير الآخرين. ويشعر بالظلم عندما لا يحصل على ما اعتاد أخذه، دون أن ينتبه إلى ما حُرم منه الآخرون بسببه.

نتائج على الطرف الآخر وسبل المواجهة

ومع استمرار هذا الخلل، يبدأ الطرف الآخر في دفع الثمن النفسي؛ فيراجع طلباته، ويبرر الغياب، ويخفض توقعاته، حتى يصبح الحد الأدنى من الاهتمام مطلبًا يخشى التعبير عنه. وقد يخلط بين المحبة والتضحية المستمرة، فيظن أن عليه الاستمرار في العطاء لإثبات صدق مشاعره. وهكذا تتحول العلاقة تدريجيًا إلى استنزاف صافي، لا لأن العطاء خطأ، بل لأن العطاء حين يصبح اتجاهًا واحدًا يفقد توازنه، ويترك في النفس شعورًا مؤلمًا بأنها موجودة لتلبية احتياجات الجميع، لا لتُرى احتياجاتها أيضًا.

إن مواجهة عقلية الاستحقاق تبدأ بالوعي، وبالتمييز بين الحق في الاحتياجات، والحق المزعوم في إخضاع الآخرين لها. فالعلاقات الصحية لا تتطلب تساوي العطاء في كل موقف، لكنها تحتاج إلى التقدير والاعتراف المتبادل والاستعداد للمراجعة والاعتذار. وليس مطلوبًا من الفرد أن يمنح فوق طاقته، كما أنه ليس من حق أحد أن يطالب الآخرين بما يرفض تقديمه باستمرار. فالنضج العاطفي لا يظهر في مقدار ما نستطيع الحصول عليه من الآخرين، بل في قدرتنا على إدراك أنهم ليسوا أقل احتياجًا منا، وأن قلوبهم ليست موارد متاحة كلما احتجنا إليها.