أرمينيا تختار مسار أوروبا بعد فوز «العقد المدني» في الانتخابات البرلمانية

أعلنت النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية الأخيرة في أرمينيا عن تحول قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين يريفان وموسكو. فاز حزب «العقد المدني» الحاكم بنحو نصف الأصوات، ما يفتح أمامه المجال لتشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في توجه الشعب نحو التكامل مع أوروبا على حساب الروابط التقليدية مع روسيا، رغم وجود معارضة مدعومة من موسكو وتحذيرات من احتمال خروجها إلى الشارع.
الاستفتاء على مسار السياسة الخارجية
أجريت الانتخابات يوم الأحد بمشاركة 18 قوة سياسية، وكانت بمثابة استفتاء غير رسمي حول مستقبل السياسة الخارجية للبلاد. انقسم المشهد بين مؤيدي التوجه الأوروبي، الذي يقوده رئيس الوزراء نيكول باشينيان، ومعارضيه الذين يقودهم رجل الأعمال صامويل كارابيتيان، المدعوم من الكرملين، والذي يصر على الحفاظ على تحالف وثيق مع روسيا.
نتائج الأولية وتوزيع الأصوات
أظهرت الإحصاءات الأولية أن حزب «العقد المدني» حصل على 49.8 % من الأصوات، بينما حصل حزب «أرمينيا القوية» الذي يرأسه كارابيتيان على 23 % فقط. وفقًا للقانون الأرميني، يجب أن يتجاوز أي حزب حداً قدره 50 % ليتمكن من تشكيل الحكومة بمفرده، إلا أن باشينيان أعرب عن ثقته في أن الجمع بين مقاعد الأقليات القومية وإعادة توزيع أصوات الأحزاب غير المؤهلة سيمكنه من تجاوز هذا العتبة بسهولة.
سرع رئيس الوزراء، الذي يدير منذ 2019 مسار التحول نحو أوروبا، إلى إعلان فوزه واستعداده لتشكيل الحكومة دون الحاجة إلى شراكة مع جهات أخرى. وبعد إغلاق صناديق الاقتراع بضع ساعات، أكد باشينيان للصحافيين أن حزب «العقد المدني» سيتولى تشكيل الحكومة بمفرده، مشيرًا إلى وجود «أشخاص موثوقين» في اللجان الانتخابية المحلية يتيحون له الحصول على إحصاءات دقيقة قبل صدور البيان الرسمي للجنة المركزية للانتخابات.
آلية تشكيل البرلمان وإعادة توزيع الأصوات
يتألف البرلمان الأرميني من 101 مقعد ينتخب لأجل خمس سنوات. إذا لم يتجاوز أي حزب نسبة الخمسين بالمئة، تُجرى جولة ثانية بعد 28 يومًا بين الحزبين الأكثر تصويتًا، ويُمنح الفائز تلقائيًا 54 % من المقاعد. ومع ذلك، صرح حزب «العقد المدني» أنه تجاوز العتبة المطلوبة فورًا بفضل المقاعد المخصصة للأقليات وإعادة توزيع الأصوات غير المؤهلة.
وبعد فرز 25 % من الأصوات، أكدت اللجنة المركزية للانتخابات أن «العقد المدني» حصد نحو 55 % من الأصوات، يليه «أرمينيا القوية» بنسبة 22 %، ثم كتلة «أرمينيا» التي يقودها الرئيس السابق روبرت كوتشاريان بحصة تقارب 9 %.
ردود الفعل الدولية
سجلت العملية الانتخابية أعلى نسبة مشاركة في تاريخ أرمينيا الحديث، حيث وصلت إلى حوالي 60 % من الناخبين، ما يدل على اهتمام واسع بالنتيجة الحاسمة. من جانبها، أبدت موسكو شكوكًا في صحة النتائج، مشيرة إلى انتهاكات محتملة خلال الحملة الانتخابية وعملية التصويت. وقد نقلت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريّا زاخاروفا أن السلطات الأرمينية «انتهاكت الإجراءات بشكل صارخ»، فيما أضاف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف أن «الانتخابات التي عمد باشينيان من خلالها إلى إقصاء جميع منافسيه لا يمكن اعتبارها شرعية».
في المقابل، رحب مسؤولو الاتحاد الأوروبي بالنتائج. وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن «أرمينيا يمكنها الاعتماد علينا»، مشيرة إلى تقديرها العميق للشراكة المتنامية مع أرمينيا. كما هنأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باشينيان، معتبرًا أن النتيجة ستعزز «الزخم نحو توثيق العلاقات مع أوروبا».
تجدر الإشارة إلى أن العلاقات مع روسيا كانت محور النقاش الرئيسي خلال الانتخابات، خاصة بعد أن سعت أرمينيا إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في ظل توتر متصاعد مع موسكو بعد سيطرة أذربيجان على ناغورنو‑كاراباخ في عام 2023.
تحذيرات ومخاطر مستقبلية
على الرغم من الترحيب الأوروبي، حذر مراقبون باشينيان من الإسراع في الاحتفال بالفوز، محذرين من احتمال تصعيد المعارضة إلى احتجاجات شعبية واسعة. وأشاروا إلى أن موسكو قد تتخذ سياسات معادية إذا سُرِّع مسار التكامل مع أوروبا، مشيرة إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين حذر من أن الانضمام إلى أوروبا سيستوجب التخلي عن عضوية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والامتيازات المرتبطة به.
كما تلميح إلى أن روسيا قد تعيد النظر في عقود النفط والغاز المفضلة التي تحصل عليها أرمينيا، والتي تمثل نحو ثلث الأسعار الأوروبية. وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريّا زاخاروفا أن روسيا ستصوغ سياسة جديدة تستند إلى الخطوات الفعلية التي تتخذها القيادة الأرمينية.
في ظل التشكيك الروسي المتواصل في صحة النتائج، وبيان وسائل الإعلام الموالية للكرملين بأن باشينيان «فشل في تجاوز عتبة الـ50 % اللازمة لتشكيل الحكومة»، يبقى احتمال نزول أنصار المعارضة إلى الشوارع وإطلاق عصيان مدني قائمًا، ما قد يخلق مواجهة داخلية تؤخر أو تعرقل مسار التقارب مع أوروبا.



