الرئيسيةعربي و عالميالتحول الرقمي يولد نموذجاً جديداً في...
عربي و عالمي

التحول الرقمي يولد نموذجاً جديداً في الصحافة: صحافة صانع المحتوى

أحدثت الثورة الرقمية تغييراً جذرياً في المشهد الصحفي، وأفرزت ما يُعرف بـ «صحافة صانع المحتوى»، وهو نموذج لا يقتصر فيه الصحفي على العمل داخل مؤسسة إعلامية، بل يقوم بإنتاج المحتوى ونشره بنفسه عبر منصات رقمية مثل يوتيوب وإكس وإنستغرام والبودكاست والنشرات البريدية. في هذا الإطار، يتحول الصحفي إلى محرر ومنتج وناشر في آن واحد، ويبني تواصلاً مباشراً مع جمهوره دون الاعتماد الكلي على مؤسسة إعلامية تقليدية. ويعتمد دخله على مصادر متنوعة كالاشتراكات والإعلانات والرعايات ودعم المتابعين، بحيث تصبح شهرته الشخصية هي العلامة الإعلامية التي يتابعها الجمهور.

جذور التحول وصعود النماذج المستقلة

انطلقت هذه الظاهرة مع انتشار المدونات في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، ثم تسارعت وتيرتها بظهور يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن الانتشار الواسع جاء بعد عام 2020 مع ازدهار النشرات البريدية والبودكاست والمنصات المستقلة. وقد غادر عدد من الصحفيين مؤسسات إعلامية كبرى لتأسيس منصاتهم الخاصة والتواصل المباشر مع الجمهور. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، الذي يعتمد بشكل كبير على برامجه ومقابلاته المنشورة عبر يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي، والإعلامي الأمريكي تكر كارلسون، الذي واصل تقديم برامجه وتحقيقاته عبر منصته الخاصة وحسابه في منصة إكس بعد مغادرته قناة فوكس نيوز، محققاً عشرات الملايين من المشاهدات. أصبحت هذه النماذج دليلاً على أن الصحفي أو الإعلامي يمكنه اليوم الوصول إلى جمهور عالمي دون الحاجة إلى قناة تلفزيونية أو صحيفة تقليدية.

جدل بين المؤيدين والمنتقدين

أثارت صحافة صانع المحتوى نقاشاً واسعاً بين الباحثين والإعلاميين. يرى المؤيدون أنها تمنح الصحفي استقلالاً أكبر، وتحرره من القيود التحريرية والإدارية، وتسمح له ببناء علاقة مباشرة مع جمهوره، كما تشجع على التخصص في مجالات دقيقة يصعب أحياناً تغطيتها داخل المؤسسات التقليدية. في المقابل، يعتقد المنتقدون أن هذا النموذج قد يدفع بعض الصحفيين إلى السعي وراء المشاهدات والتفاعل أكثر من السعي وراء الدقة والموضوعية، كما قد يؤدي الاعتماد على الرعايات التجارية أو الاشتراكات إلى ظهور تضارب في المصالح. كذلك، فإن غياب غرف التحرير وعمليات المراجعة قد يزيد احتمال وقوع الأخطاء أو انتشار المحتوى المثير على حساب المحتوى المهني.

تأثير متزايد على مستقبل الصحافة التقليدية

إحدى أبرز القضايا التي أثارتها صحافة صانع المحتوى هي تأثيرها المتزايد في مستقبل الصحافة التقليدية. فقد أصبحت المؤسسات الإعلامية تواجه منافسة مباشرة من أفراد يمتلكون كاميرا وهاتفاً ذكياً وجمهوراً واسعاً على المنصات الرقمية، دون الحاجة إلى غرف أخبار كبيرة أو ميزانيات ضخمة. وأصبح بعض الصحفيين والإعلاميين المعروفين يحققون عبر قنواتهم الشخصية أعداداً من المشاهدات والمتابعين تفوق ما تحققه مؤسسات إعلامية عريقة، وهو ما أدى إلى انتقال جزء من الجمهور والإعلانات والاشتراكات من الصحف والقنوات التقليدية إلى المنصات الفردية.

ويرى بعض الباحثين أن هذا التحول يهدد النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه المؤسسات الصحفية لعقود، ويضعف دورها بوصفها الحارس التقليدي للمعلومات. وفي المقابل، يرى آخرون أن الصحافة التقليدية لن تختفي، لكنها ستضطر إلى إعادة تعريف دورها والتركيز على نقاط قوتها، مثل العمل الاستقصائي، والتحقق المهني، ووجود فرق تحرير متخصصة، بينما يتوقعون أن يصبح المستقبل قائماً على التعايش والتنافس بين المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى، بحيث يسعى كل طرف إلى استثمار مزاياه في البيئة الرقمية الجديدة.

ولهذا يرى كثير من المتخصصين أن صحافة صانع المحتوى تمثل مرحلة جديدة في تطور المهنة، حيث تعتمد على حرية النشر التي أتاحها العصر الرقمي، ولكنها تتطلب أيضاً المسؤولية المهنية التي تظل أساس العمل الصحفي.