الرئيسيةعربي و عالميتفجير مقهى في دمشق يكشف تحولات...
عربي و عالمي

تفجير مقهى في دمشق يكشف تحولات حرب الظل في سوريا

سوريا لم تعد ساحة لحرب مفتوحة بين جيوش نظامية، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الخلايا الإرهابية وشبكات النظام السابق والصراعات الإقليمية وحسابات القوى الكبرى. في هذه المرحلة، لا تمثل العبوة الناسفة مجرد جريمة، بل تتحول إلى رسالة سياسية واضحة. لذلك، لا يبدأ السؤال بمن زرع العبوة، بل لماذا اختير هذا الهدف بالتحديد؟ ولماذا في هذا التوقيت؟

استهداف المدنيين.. رسالة جديدة

استهداف مقهى في شارع النصر وسط دمشق ليس مجرد حادث أمني عابر، فهو المرة الأولى التي يتحول فيها مقهى مدني مكتظ إلى هدف مباشر منذ سقوط نظام الأسد. في الأشهر الماضية، شهدت البلاد استهداف كنيسة واجتماعات أمنية ومؤسسات حكومية وشخصيات عامة، أما اليوم فقد انتقلت الضربة إلى مكان لا يحمل أي قيمة عسكرية أو سياسية، لكنه يحمل قيمة أكبر لأنه يستهدف المجتمع نفسه.

التفجير الذي أودى بحياة 10 مدنيين وأصاب العشرات لا يحتمل الصدفة. عندما تصبح المقاهي والأسواق ووسائل النقل أهدافاً، يكون الإرهاب قد غير أولوياته، ولم يعد يسعى إلى السيطرة على الأرض، بل إلى مفاتيح الخوف. ولم يعد يبحث عن إرباك مؤسسة، بل عن إرباك مجتمع كامل بدأ يحاول استعادة إيقاع حياته بعد سنوات طويلة من الحرب.

السياق الأمني والإقليمي

الحكومة الجديدة تحاول تثبيت مؤسسات الدولة وبسط سيطرتها الأمنية عبر عمليات استباقية لمنع استهداف المؤسسات المدنية. في الوقت نفسه، تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ سنوات، عبر مواجهة مفتوحة بين أمريكا وإسرائيل مع إيران، وحرب إسرائيلية مستمرة مع حزب الله، وتنافس إقليمي على شكل سوريا الجديدة ودورها. في مثل هذه البيئات، تصبح العمليات الإرهابية وسيلة منخفضة الكلفة وعالية التأثير لإرباك الداخل السوري، من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وهنا يبرز السؤال عن الجهة التي تملك الدافع والقدرة على تنفيذ عملية كهذه. حتى الآن لم تصل التحقيقات إلى إجابة حاسمة، لكن قراءة نمط العملية تجعل تنظيم داعش أو خلايا تتبنى عقيدته الاحتمال الأكثر ترجيحاً. فالتنظيم اعتاد كلما ضاقت أمامه مساحة الحركة أن ينتقل إلى استهداف المدنيين، وهو لا يحتاج اليوم إلى السيطرة على مدينة حتى يفرض حضوره، بل تكفيه خلية صغيرة وعبوة ناسفة ليعود إلى واجهة الأخبار ويبعث برسالة مفادها أنه ما زال قادراً على الضرب.

شبكات قديمة ومصالح متقاطعة

لكن الاكتفاء باسم داعش لا يكفي لفهم المشهد. فالتنظيم الإرهابي قد يكون المنفذ، لكنه ليس بالضرورة المستفيد الوحيد ولا يعمل في بيئة معزولة. ما زالت سوريا تضم شبكات مرتبطة بالنظام السابق، من ضباط أمن وعسكريين سابقين ماهرين في التفخيخ والتفجير، وشبكات تهريب أسلحة ومخدرات. ليس المقصود اتهام هذه الشبكات بالوقوف خلف التفجير، بل الإشارة إلى أن البيئة التي راكمتها سنوات الحرب لم تختفِ تماماً، وأن التنظيمات الإرهابية تجد في مثل هذه البيئات ما تحتاج إليه من خبرة أو دعم أو ثغرات أمنية عندما تتقاطع المصالح.

أما على المستوى الإقليمي، فلا تحتاج بعض القوى إلى أن تكون وراء كل تفجير حتى تستفيد من نتائجه. منذ سقوط النظام السابق لم تُخفِ تل أبيب رفضها للسلطة الجديدة في دمشق، وواصلت غاراتها وتوغلاتها داخل سوريا، وأعلنت مراراً أنها لا تقبل بالواقع الأمني الجديد جنوب البلاد. من هذه الزاوية، فإن أي تراجع أمني داخل دمشق يمنح إسرائيل مادة إضافية لتأكيد روايتها أن سوريا ما زالت دولة هشة، ويؤخر تعافيها السياسي والاقتصادي، ويُبقيها منشغلة بداخلها بدل الانتقال إلى مرحلة تثبيت الدولة.

حرب الظل.. من المستفيد الحقيقي؟

كما لا يمكن إهمال القوى الطائفية التي كانت تحتل سوريا بدعم خارجي. وهنا تكمن أهمية ما يمكن تسميته بـ«حرب الظل»، فليس من الضروري أن تجلس كل هذه الأطراف حول طاولة واحدة، أو أن تنسق فيما بينها، بل يكفي أن ينفذ طرف واحد عملية تحقق نتائج تصب في مصلحة أطراف أخرى. فالمنفذ قد يكون تنظيمًا إرهابيًا، بينما تتوزع المكاسب السياسية على خصوم الدولة السورية، والمتضررين من استقرارها، وكل من يرى في استمرار الفوضى فرصة لتعزيز موقعه أو إضعاف خصمه.

لذلك السؤال الحقيقي ليس فقط من نفذ التفجير، بل من الذي التقت مصالحه مع التفجير؟ وفيما تصل التحقيقات إلى الإجابة عن السؤال الأول، يبقى السؤال الآخر سياسيًا ويقود إلى حقيقة أن سوريا دخلت مرحلة لم تعد فيها الحروب تُقاس بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بعدد العبوات التي تحاول زعزعة الثقة وإبطاء التعافي.

قد تكشف التحقيقات اسم الشخص الذي زرع العبوة، لكن ذلك لن يجيب وحده عن السؤال الأكبر، وهو لماذا تعود العبوات الناسفة إلى دمشق الآن؟ الإجابة لا تكمن في هوية المنفذ فقط، بل في التحولات التي تشهدها سوريا والمنطقة معًا. تاريخيًا، كثيرًا ما تكون العبوة الناسفة في الشرق الأوسط الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الحسابات السياسية والأمنية. ولهذا فإن تفجير مقهى في شارع النصر قد لا يكون مجرد حادث إرهابي، بل أول مؤشر إلى أن حرب الظل على سوريا دخلت مرحلة جديدة لم يعد الهدف منها إسقاط الدولة بالقوة، بل منعها من الوصول إلى الاستقرار.