الرئيسيةفنالذاكرة الجماعية للسعوديين في استقبال وتوديع...
فن

الذاكرة الجماعية للسعوديين في استقبال وتوديع الحجيج عبر المناطق

في ذاكرة السعوديين العريقة، يبرز الحج كرحلة لا تبدأ عند باب المنزل ولا تنتهي بعودته، بل تنطلق من لحظة داخلية يشتعل فيها النداء في القلب، فتتحول الطريق إلى مكة إلى مسار للمعنى، وتستمر الأجساد على رمال الصحراء وفي أعماق البحر، بينما تتسابق الأرواح إلى بيت الله القديم.

حجٌ يعيد صياغة العلاقات الروحية والاجتماعية

كان موسم الحج يهبّ على القرى والمدن والباديات كأنه زمن آخر، يُعاد فيه تشكيل العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الغياب والانتظار، وبين الفقد والرجاء. في تلك اللحظة لا يصبح الحاج مجرد مسافر، بل يصبح شاهداً على قدرة الإيمان على تحويل المشقة إلى طمأنينة، والخوف إلى دعاء، والطريق الطويل إلى طقوس تطهير.

التحضيرات التقليدية قبل الانطلاق

في العصور القديمة، يبدأ الاستعداد للحج قبل أشهر، ليس فقط لأن الرحلة بعيدة، بل لأنها انتقال من حالة إلى أخرى. ما إن يعلن أحدهم عزمه على الحج، تبدأ معه طقوس اجتماعية وروحية متوارثة: يبحث عن الرفقة الصالحة، يجهّز الإبل أو الحمير أو البغال، يعدّ الزاد والماء وما يلزم الطريق. كانت القوافل تنطلق محمّلة بالمؤونة والخوف والرجاء، في زمن كانت فيه الأمراض والعطش وقطاع الطرق وتغيّرات الصحراء والبحر جزءاً من احتمالات الرحلة.

قبل الانطلاق، يطوف الحاج على بيوت أقاربه وجيرانه طالباً السماح والدعاء، كأنه يخفف روحه من الأثقال قبل أن يخطو إلى بيت الله الحرام. طلب السماح لم يكن مجرد عادة اجتماعية عابرة، بل فعلًا أخلاقيًا عميقًا؛ ففي لحظة الوداع يدرك الإنسان هشاشة الحياة، ويعلم أن الطريق لا يضمن عودة الجميع. لذا كانت العتبات تمتلئ بالدموع، وترتفع الأكف بالدعاء، وتتحول الأهازيج إلى لغة ثالثة بين الحزن والإيمان.

حداء القوافل وبيرق العودة في نجد والشمال

في نجد والشمال، حيث القوافل البرية تمتد عبر الفيافي، كان الحداء صوت الطريق ورفيق المسافرين، يخفف على الإبل وحشة المسافات، ويمنح الراحلين سكينة. لم يكن الحداء مجرد غناء للطريق؛ بل سعى لترويض الفراق وإيقاعه يرافق القافلة في صحراء لا ترحم إلا من عرف صبرها.

عند عودة الحاج، يسبقه الخبر إلى الحي: تُفتح المجالس وتدور القهوة، ويستقبله الناس بعبارة “حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً”. في بعض البيئات يُرفع البيرق الأبيض فوق منزل الحاج أو عند مدخله، علامةً على الفرح والطمأنينة، كأن الغائب عاد وأن الدعاء وجد إجابة. تُردد عبارات الترحيب مثل:

حاجنا بالسلامة نورت الدار بلقاكم
زمزم شفا وعافية والقبول بممشاكم.

طقوس الاستقبال في الحجاز

في الحجاز – مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف – كان الحج جزءًا من روح المكان وذاكرته اليومية. لم يكن الحاج زائرًا عابرًا، بل عنصرًا من حركة إنسانية كبرى تتجه إلى الله من كل فج. كانت البيوت تفتح أبوابها، وتستقبل المجالس المهنئين، وتظهر مظاهر الفرح في تزيين المنازل وإضاءة الفوانيس.

من عادات الحجاز “النثيرة” حيث تُنثر الحلوى والحمص والملبس والقضامة فرحًا بسلامة الحاج، كأن الفرح يتحول إلى حبات صغيرة تُوزع على الناس. كما يُحضر «المجس الحجازي» بصوته العذب ليُزف الحاج في أجواء من الوقار والبهجة، وتُرش الورود ويُقدّم ماء الورد أو الشربات. من الصيغ المتداولة:

يا من حج بيت الله زرت مقاماً
نلت القبول وعدت بالإنعام
بشراكم يا وفد بيت الله بشراكم.

وتردد النساء في أجواء الفرح:

يا مكة يا مكة يا ضيّ العيون
حجوا حبايبنا وبالفرحة ييجون.

الزامل وحفاوة الجنوب

في جنوب المملكة – عسير، الباحة، نجران، وجازان – كانت عودة الحاج حدثًا جماعيًا؛ لا يعود إلى بيته فحسب، بل إلى ذاكرة القرية بأسرها. يخرج الأهالي إلى مداخل القرى والميادين، ويتقدم كبار السن والشباب موكب الاستقبال، وتُرفع أصوات “الزامل” الجماعي، ليس كإنشاد فحسب، بل كإعلان عن فرح الجماعة بسلامة أحد أبنائها:

سلام يا واصل من مكة وطيبة
عدّ السحاب اللي سقى كل ديرة
مبروك حجك يا عسى ربي يجيبه
في ميزان حسناتك وهو نعم الذخيرة.

في تلك المجالس يجلس الحاج في صدر المكان، ليس لأنه عاد من سفر، بل لأنه عاد من تجربة جعلته أقرب إلى الحكاية والقداسة معًا. يُسأل عن مكة، وعرفة، ومنى، والطواف والسعي، فتتحول كلماته إلى نافذة يطل منها من لم يحج على عالم المشاعر.

الوداع والعودة في جازان وفرسان

في جازان، حيث السواحل والجبال والقرى وجزيرة فرسان، كان لموسم الحج مساحة خاصة في الذاكرة الشعبية. منذ عقود، كان للحج إشعاع روحي يغلف الأجواء، يخلط الفرح بالحزن، والذهاب بالانتظار، والوداع بانقطاع الأخبار. كان الحجاج في جازان يستعدون قبل وقت طويل، يبحثون عن رفقة صالحة، يجهزون راحلتهم ومؤونتهم. أما أهل فرسان، فكانت رحلتهم عبر البحر أشبه بمنازلة بين الإيمان والموج، يواجهون أمواجًا طويلة تمتد شهورًا بين الخوف والرجاء.

حفظت الذاكرة الشعبية أهازيج وداعية مؤثرة تُقال في منزل الحاج قبل سفره، منها ما يعبر عن شوق من لم يدرك الحج:

الناس قد حجوا وقد بلغوا مرادهم
وأنا اللي لا حجيت ولا بلغت مرادي
يا واصلين إلى منى بعشية
ردوا السلام على أهل ذاك الوادي.

وكذلك أهازيج فرسان الوداعية التي يختلط فيها الدمع بالدعاء:

ودعن بك يا ضلع جنبي اليمين
يا بوعمر يا مكتمل يا رزين
ودعت بك ودمع عيني يجول
هلّ دموعي مثل هطول المطر
يوم الخميس الصبح جد الفراق
لا تنظر إلا الدمع وإلا الضياق
ندعي لهم بالعافية والقبول.

مع اقتراب عودة الحجاج في جازان، تبدأ النساء في ترديد أهازيج «العَجَل»، مستعجلات مجيء الحاج بعد أداء المناسك. تُنظّف الأحواش وتُطلى الجدران بالنورة أو الجص، وتُعد القهوة والضيافة. من أجمل العادات “قعادة الحاج” – كرسي أو سرير خشبي يُجهّز خصيصًا للجلوس عليه بعد عودته – كإعلان رمزي على اكتمال الرحلة وعودة الغائب إلى البيت. تُفرش القعادة بالسجاد والمخدات الجميلة، ولا يُسمح لأحد بالجلوس عليها حتى يعود الحاج، فتتحول إلى منصة ذاكرة.

المشاية وتحميدة الشكر في الشرقية

في المنطقة الشرقية، حيث تنوع طرق الحج بين البر والبحر، تُجهّز البيوت للعودة بالمجالس وفرش المداخل أحيانًا بالسجاد أو القماش، ما يُعرف شعبيًا بـ “المشاية”. يختلط عبق البخور بالقهوة والتمر، وتُردد عبارات الشكر لله على تمام النسك وسلامة العودة:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
عاد الحجيج بسلامة من بعد فوات.

وتُقال في الترحيب:

نور البيت يا حاجنا
بالفرح والسرور جيتنا.

يُطلب ماء زمزم أولاً، ليس فقط لأنه ماء، بل لأنه رمز للمكان المقدس وتمديد للرحلة داخل البيوت. ثم تُقدّم المسابح، السواك، العطور، الأقمشة والحلوى كهدايا بسيطة ماديةً، لكنها كبيرة في معناها.

الصوغة: هدايا تحمل عبق الحرم

لا تكتمل ذاكرة الحج قديمًا دون “الصوغة” – تلك الهدايا الصغيرة التي يحملها الحاج في جعبته: ماء زمزم، مسابح اليسر، سجادات الصلاة، السواك، العطور، تمر العجوة. كانت الصوغة قطعة من الحرم في يد من لم يذهب، ورائحة من المشاعر في بيوت بعيدة عن مكة، وتذكيرًا بأن الرحلة تخص الحاج ومَن ودعه وانتظره ودعا له.

بعد العودة، يصبح الحاج في كثير من البيئات “حكواتي” القرية أو الحي، يجلس في صدر المجلس، وتلتف حوله الوجوه لسماع تفاصيل رحلة العمر: كيف انطلق، أين نزل، ماذا رأى في الطواف والسعي وعرفة ومنى، وكيف كانت الرفقة، وكيف التقى بحجاج من بلاد بعيدة. من خلال حديثه، يعيش من لم يحج جزءًا من التجربة، وتتحول المجالس إلى ذاكرة مفتوحة للحج بأحكامه ومشاعره.

بهذا يتضح أن عادات استقبال وتوديع الحجيج قديماً في مناطق المملكة تشكل موروثًا لا يقتصر على توثيق الفرح، بل يكشف عن فلسفة اجتماعية عميقة ترى في الحج رحلة تطهّر وعودة، واختبار للمحبة، ولقاء يعيد للبيت معناه. فكان الحج حدثًا جماعيًا تشاركه الأسرة والقرية والمدينة؛ يُودّع الحاج بالدعاء، ويُنتظر عودته بالشوق، وتُستقبل بأهازيج وزغاريد وقهوة وصوغة. وبين تعب الطريق وفرح الوصول، يظل الحج في الذاكرة السعودية رحلة للروح والجسد، ومرآة صادقة لعلاقة الإنسان بالمكان والإيمان.