التوازن في قطاع الكيماويات: بين أمن الإمدادات والتكلفة والاستدامة

أهمية قطاع الكيماويات عالمياً
يعد قطاع الكيماويات من الدعائم الأساسية التي ساهمت في تحسين معيشة شعوب عديدة ودفعت عجلة التقدم في شتى الصناعات. بل يمكن القول إن الكيماويات باتت ركيزة لا غنى عنها في بناء الحضارة الحديثة، نظراً لتأثيرها الواسع على معظم جوانب الحياة ومعظم القطاعات الاقتصادية.
هذه الحقائق لا تستند إلى تخمينات بل إلى بيانات ملموسة. وفق ما أفاد به المجلس الأوروبي للصناعات الكيماوية (CEFIC)، فإن القطاع يسهم بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل نحو 6 تريليونات دولار، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كما يوفر ما يقرب من 120 مليون فرصة عمل على مستوى العالم، ويجلب دخلاً لملايين الأسر في مختلف القارات. علاوة على ذلك، تحتوي أكثر من 90% من السلع اليومية المستهلكة على نوع واحد على الأقل من المواد الكيميائية، ما يبرز مدى انتشار وأهمية هذا المجال.
التحدي الثلاثي: الأمن، التكلفة، الاستدامة
في ضوء هذه الأهمية المتنامية، يصبح من الضروري أن تتعامل الحكومات والشركات والمؤسسات مع القطاع بوعي وحذر، متبعاً نهجاً دقيقاً يقوم على الحيطة والحكمة. ومن هذا المنطلق تبرز المعضلة الثلاثية التي تكمن في تحقيق التوازن المناسب بين أمن الإمدادات، والقدرة على تحمل التكاليف، والاستدامة.
رغم أن النقاش حول هذه المعضلة مستمر منذ فترة ليست قصيرة، فإنه يمثل مثالاً فريداً على أهمية اتباع نهج متوازن يراعي ظروف جميع الأطراف ويستند إلى الوقائع والواقعية، مع السعي لتجنب أي عواقب غير مرغوب فيها.
وبهذا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن لقطاع الكيماويات أن يحقق هذا التوازن في ظل التحديات المتنوعة التي يواجهها؟
رؤى واستراتيجيات لتحقيق التوازن
لتحقيق التوازن في قطاع حيوي مثل الكيماويات، لا بد من فهماً عميقاً للقطاع وإدراكاً شاملاً لقضاياه الأساسية، إلى جانب توافر سمات أساسية مثل المرونة، والقدرة على التكيف، والاستعداد للتغيير.
كمثال عملي، تحتفل شركة سابك مؤخراً بمرور خمسين عاماً على تأسيسها عام 1976، وقد اكتسبت على مدار تاريخها خبرات ومعارف واسعة في مجال صناعة الكيماويات. تتركز معظم هذه الخبرات حول عامين أساسيين للنمو والازدهار هما التحول والابتكار، اللذين شكلا ركيزتين أساسيتين وعاملين حاسمين في نجاح الشركة منذ إنشائها.
وبالمثل، فإن معالجة المعضلة الثلاثية تتطلب اتباع نهج مماثل، حيث يصبح تحقيق التوازن بين الأمن، والقدرة على تحمل التكاليف، والاستدامة اختباراً معقداً قد يؤدي عدم التعامل معه بحكمة إلى الفوضى أو ما هو أسوأ من ذلك.
من جهة أخرى، يركز جانب “أمن الإمدادات” على ضمان موثوقية وتوافر المواد، بينما يتمحور جانب “التكلفة” حول التنافسية وقدرة جميع الأطراف على تحمل النفقات. أما جانب “الاستدامة” فيعنى بإدارة الأثر البيئي والسياسات المرتبطة به. إن تحقيق التوازن بين هذه الركائز الثلاث، مع تجنب أي عواقب غير مقصودة، يتطلب شمولية وواقعية وفهماً عميقاً لبيئة القطاع.
وعندما تُعالج القضايا المثيرة للقلق أو التحديات الكبرى، يتحتم وجود قيادة حكيمة تتمتع برؤية ثاقبة. ولا يسعنا هنا سوى الاستشهاد باقتباس من كلمة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، الذي قال: “دائماً ما تبدأ قصص النجاح برؤية، وأنجح الرؤى هي celles التي تُبنى على مكامن القوة “, في إشارة إلى خارطة طريق المملكة الطموحة، (رؤية السعودية 2030).
في الختام، تجدر الإشارة إلى أن العاصمة السعودية الرياض تستضيف ولأول مرة مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرون للطاقة في الفترة من 11 إلى 15 أكتوبر 2026، الذي يجمع قادة وخبراء من القطاعين العام والخاص لمناقشة القضايا الراهنة ذات الأهمية لقطاع الطاقة؛ والتي قد تكون إحداها المعضلة الثلاثية التي طرحت هنا.










