الرئيسيةكتاب و آراء«المشروع» بين الحدث والحالة: كيف يتحول...
كتاب و آراء

«المشروع» بين الحدث والحالة: كيف يتحول الشعور إلى واقع كروي مستدام

في ساحة كرة القدم المعاصرة، انتشرت كلمة “مشروع” بصورة مفرطة، تماماً كما تُستعمل كلمة “السردية” في النقاشات الأدبية والاجتماعية، لتصبح كأنها تعويذة سحرية تحول الفوضى إلى نظام، والارتجال إلى رؤية واضحة.

استخدام المصطلح في الأوساط الكروية

تُطلق الاتحادات كلمة “المشروع” في مؤتمراتها الصحفية، وتضمّنها الأندية في خططها الاستراتيجية، بينما يرددها الإعلام كأن مجرد نطقها يكمّل بناء أسسٍ متكاملة. غير أن الجماهير والتاريخ لا يرضيان الشعارات، فهما لا يقبلان إلا ما يُثبت على أرضية البطولات.

معايير المشروع الحقيقي

المشروع الكروي لا يُقاس بكمية الإنفاق ولا بعدد النجوم المستقدمين لتلميع المدرجات مؤقتاً. إنه منظومة شاملة تبدأ من الجذور، ويعتمد على ثلاثة أسس رئيسية:

الأول: أكاديميات تنشئ لاعباً متمكنًا من ثقافة اللعبة، لا يقتصر على تعلم التقنية فحسب. الثاني: فلسفة لعب واضحة تُنقل من الناشئين إلى المنتخب الأول، بحيث لا يضطر الجيل الصاعد إلى إعادة تعلم الأساسيات من مدرب جديد. الثالث: صبر مؤسسي يحفظ المشروع من تقلبات الهزائم الفردية وتأثيرات الرأي العام.

الأخطاء المتكررة في تنفيذ المشاريع

أبرز الأخطاء هي التعامل مع كرة القدم كحدث منفرد دون اعتبارها حالة مستمرة. فالحدث له بداية ونهاية، يجذب النجوم وتُحدَّد له الميزانيات، ثم يزول أثره عندما تُطفأ الأضواء. أما الحالة فتنمو تدريجياً عندما تصبح اللعبة جزءاً من النسيج الاجتماعي؛ عندما يختار الطفل الملعب قبل السعي للشهرة، وتصبح الأندية الشعبية والمدارس الرياضية امتداداً طبيعياً للحياة اليومية.

الخطأ الثاني يكمن في استيراد نماذج جاهزة دون تمحيص. نجاح تجربة ما في ألمانيا أو البرتغال يرتبط ببيئة تاريخية وبنية اجتماعية محددة؛ نقلها إلى سياق مختلف دون تكييف حقيقي ينتج نسخة سطحية تحمل المصطلحات نفسها دون الروح التي أوجدتها. وينطبق ذلك على الأفراد؛ فنجاح شخص ما في مكان معين لا يضمن نجاحه في بيئة أخرى، ومن الأمثلة التي تُظهر ذلك حالة “مانشيني”.

نموذج الآيسلنديين كمثال عملي

بدلاً من الاستشهاد بالنموذج الياباني المستهلك، يُستشهد بالنموذج الآيسلندي، الذي يتميز بتعداد سكاني صغير نسبياً وقليل من التاريخ الكروي الدولي. بنى مشروعه على أكاديميات داخلية مُدفأة لا تتوقف حتى مع الثلج، وعلى مدربين محليين مؤهلين بشكل مكثف، حتى وصل إلى دور «ثمانية يورو» عام 2016 في معجزة صُنعت من الداخل.

الخلاصة

المشروع ليس مجرد إعلان يُرفع في حفل فاخر، بل هو التزام يُترجم إلى أفعال في الملاعب وأكاديميات الناشئين. إذا لم نفهم هذه المعادلة، ستظل مشاريعنا أرقاماً في الميزانيات، ولن تصبح أسماءً تُسجَّل في سجلات التاريخ.