كرسي الإخراج القماشي: رمز يخفي مساحات أوسع من صناعة السينما

لا يكاد يوجد رمز ارتبط بمهنة الإخراج بقدر ذلك الكرسي القماشي القابل للطي الذي يحمل على ظهره كلمة Director. حتى الأشخاص الذين لم يدخلوا موقع تصوير طوال حياتهم يستطيعون تصور شكله: كرسي يُنصب خلف الكاميرا، يجلس عليه المخرج ليراقب المشهد بينما تعمل بقية الأقسام. يوحي هذا الكرسي بأن الإخراج يتم من موقع واحد، لكن الحقيقة أن صاحب المهنة نادراً ما يستقر في مكان واحد.
خلف السجادة الحمراء: عالم آخر في مهرجان كان
كلما اقتربت من هذه المهنة، تزداد قناعتي بأن المشكلة ليست في الكرسي نفسه بل في الصورة التي رسمها لنا في أذهاننا. ولم أستوعب حدود هذه الصورة إلا حين بدأت التنقل بين أقسام الصناعة المختلفة.
في الخارج، بدا مهرجان كان السينمائي كما تصنعه الصور: شاطئ يطل على البحر، ويخوت تملأ المرسى، ومقاهٍ ومطاعم تعج بالحياة، وواجهات فاخرة، وطوابير تنتظر مرور ممثل أو مخرج على السجادة الحمراء. مشهد يمكن لأي شخص تخيله حتى لو لم يزر المدينة يوماً. لكن ما أن تعبر أبواب سوق الأفلام حتى تختفي تلك الصورة بالكامل، كأنها أغلقت خلفك. تمتد الأجنحة بلا نهاية، وتكاد البوسترات تختفي تحت أكاليل الجوائز المطبوعة عليها، بينما تتقاطع الاجتماعات وغرف العرض الصغيرة في كل اتجاه. وكلما توقفت أمام أحد البوسترات لأتأمله، نهض أحد المسؤولين في الجناح معتقداً أنني موزع أو مشترٍ محتمل، مستعداً لشرح الفيلم أو تقديم ملفه. لم يكن أحد هناك يبحث عمن يعجبه الفيلم، بل عمن يستطيع أن يأخذه إلى مكان آخر. وكان أكثر من رأيتهم ليسوا ممثلين أو مخرجين، بل منتجين، ووكلاء بيع، وموزعين، ومستثمرين، وهيئات أفلام، وأشخاصاً كرسوا حياتهم لما يحدث بعد أن تنتهي مهمة المخرج. هنا أدركت أن ذلك الكرسي أخفى عني فصلاً كاملاً من المهنة.
المونتاج: حيث تولد الحكاية من جديد
كنت أعرف أن للفيلم حياة بعد انتهاء تصويره، لكنني لم أتخيل يوماً اتساع ذلك العالم ولا أهمية ما يأتي بعد أن يقول المخرج آخر cut. فكل ما يأتي بعد تلك اللحظة يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك الكرسي. كان أول الأقسام التي زعزعت تلك الصورة في ذهني هو المونتاج. ربما لأنني جئت من خلفية برمجية، وجدت متعة غير متوقعة في الجلوس ساعات أمام اللقطات؛ أقدم هذه ثانية، وأؤخر تلك ربع ثانية، وأجرب احتمالاً بعد آخر. ولم أكن، على خلاف أصدقائي، أستعجل نهاية هذه المرحلة، بل كنت أتعمد أن تطول.
يقال إن الفيلم يُكتب ثلاث مرات: مرة على الورق، ومرة من خلال العدسة، ثم مرة أخيرة في غرفة المونتاج. ولم يكن أكثر ما شدني في ذلك أن اللقطات يعاد ترتيبها، بل أن الحكاية نفسها تولد من جديد. هناك، لا يبحث المونتير عن لقطة أجمل، بل عن شعور أصدق، وعن إيقاع يجعل المشاهد ينسى أنه يشاهد مئات اللقطات المنفصلة، ويؤمن أنه يعيش قصة واحدة. ذلك الكرسي لم يخبرني أن المخرج لا يترك الفيلم عندما يغادر موقع التصوير، بل يبدأ، بطريقة مختلفة، في كتابته من جديد.
التمثيل وفهم الإنسان قبل الكاميرا
ثم جاء التمثيل. ورغم أن الوقوف أمام الكاميرا لم يكن يوماً مما أسعى إليه، بل ربما كنت آخر من يناسبه، فإن فهم الممثل كان بالنسبة لي جزءاً من فهم الإخراج نفسه. فكلما ازددت معرفة بطريقة بناء الأداء، ومدارس التمثيل، والرحلة التي يمر بها الممثل، أصبحت أقدر على معرفة ما إذا كان يقدم ما أبحث عنه، أو حتى ما هو أفضل منه لخدمة الرؤية الكاملة للعمل. وكان هناك أيضاً شيء يتكرر كلما عدت إلى الأعمال التي تركت في نفسي أثراً: عدد كبير من مخرجيها بدأوا حياتهم ممثلين. ولم يكن أكثر ما أثار فضولي أنهم تعلموا الكاميرا لاحقاً، بل أنهم فهموا الإنسان قبلها.
هناك أيضاً اكتشفت أن ذلك الكرسي أخفى جانباً آخر من المهنة. فالمخرج لا يرث من القسم الذي جاء منه مهارة واحدة، بل يرث طريقة كاملة في رؤية الفيلم. الكاتب يصل إلى الإخراج وهو يحمل حس الحكاية. والممثل يصل إليه وهو يحمل حس الإنسان. والمونتير يصل إليه وهو يحمل حس الإيقاع. وكل قسم يترك في المخرج شيئاً لا يمكن أن تعلمه بمجرد الجلوس خلف الكاميرا.
الصوت: نصف الفيلم الخفي
ثم جاء الصوت، أكثر الأقسام التي جعلتني أعيد النظر في صورة ذلك الكرسي. فنحن نردد كثيراً أن نصف الفيلم صوت، لكنها جملة لا تدرك معناها الحقيقي إلا عندما ترى حجم العمل الذي يبقى غير مرئي إذا أُنجز كما ينبغي؛ تفاصيل، واحتياطات، وخطط بديلة، وقرارات لا ينتبه إليها المشاهد لأنها نجحت في أن تبدو طبيعية. حين يخرج المشاهد من الفيلم دون أن ينتبه للصوت، فغالباً لأن أحداً بذل جهداً هائلاً كي لا ينتبه إليه.
وذلك أيضاً لم يخبرني به ذلك الكرسي. فهو لا يختزل مسؤولية المخرج وحده، بل يختزل كذلك حجم الجهد الذي تبذله بقية الأقسام، حتى يبدو العمل متماسكاً كما لو أنه خرج إلى الوجود من تلقاء نفسه.
وربما لهذا السبب، لا يحتاج المخرج أن يكون أفضل شخص في أي قسم، لكنه يحتاج أن يكون الشخص الوحيد القادر على فهم الجميع. أن يفهم الممثل قبل أن يوجهه، وأن يناقش مدير التصوير بلغته، وأن يعرف متى يطلب من مهندس الصوت المستحيل ومتى يتراجع، وأن يفهم المنتج حين يقلق، وأن يتحدث مع المستثمر حين يتردد، وأن يقنع الموزع قبل أن يقنع الجمهور. ليس لأنه سيصبح واحداً منهم، بل لأن كل واحد منهم يحمل قطعة من الفيلم، بينما يحمل المخرج الصورة كاملة.
ولهذا، كلما رأيت ذلك الكرسي القماشي المكتوب على ظهره Director، وجدت نفسي أعيد تصميمه في ذهني. لن أغير شكله، فهو أصبح جزءاً من ذاكرة السينما. لكنني سأعطيه عجلات، وسأجعله يدور ثلاثمئة وستين درجة. فهذه مهنة لا تُرى من زاوية واحدة.
*مخرج ومنتج سعودي ومستشار في الاتصال المؤسسي والثقافي.



