الرئيسيةكتاب و آراءأربعون عاماً وقلبٌ متعب: جيل يملك...
كتاب و آراء

أربعون عاماً وقلبٌ متعب: جيل يملك كل شيء إلا الحياة

جيل دخل الجامعة على وعد بأن الوظيفة هي الأمان، ثم أدرك أن الراتب وحده لا يصنع حياة. وجيل اشترى بيتاً بقرض يمتد ثلاثين سنة، واكتشف لاحقاً أنه رهن جزءاً كبيراً من عمره مقابل شعور بالأمان فقط. المشكلة ليست في القرض، ولا في العمل، ولا حتى في ارتفاع الأسعار وحده.

المشكلة الحقيقية أن كثيراً من الناس بلغوا سن الأربعين وهم يملكون أشياء كثيرة… لكنهم لا يعيشون فعلياً. سيارة ممتازة، راتب جيد، بيت مرتب، اشتراك نادي، سفريات متقطعة، مطاعم، قهوة مختصة، وفي النهاية شعور داخلي غريب يقول: «طيب وبعد؟»

وهم الأمان الوظيفي والمادي

جيل كامل يعيش تحت ضغط هائل اسمه «لازم تلحق»: تلحق تشتري، تلحق تبني، تلحق تتزوج، تلحق تستثمر، تلحق تدخل مشروع، تلحق قبل أن ترتفع الأسعار، تلحق قبل أن يفوتك العمر. حتى الراحة أصبحت مؤجلة. الإنسان صار يتعامل مع الحياة كأنها قائمة مهام طويلة، وكلما أنجز هدفاً اكتشف أن هناك هدفاً جديداً ينتظره.

سباق اللحاق والقلق الدائم

الأخطر أن المقارنة لم تعد مع الجيران أو الأقارب فقط. الآن أنت تقارن نفسك يومياً بآلاف البشر في جوالك: تشاهد شخصاً في لندن، وشخصاً في دبي، وشخصاً في الرياض يقود سيارة فارهة، وشخصاً أصغر منك اشترى أرضاً وربح ملايين، وشخصاً يسافر كل شهر. وفجأة تشعر أن حياتك ناقصة مهما فعلت. السوشيال ميديا لم ترفع سقف الطموح فقط، وإنما رفعت سقف القلق أيضاً. صار الإنسان يخجل من حياته الطبيعية: يخجل من سيارته العادية، ومن بيته الصغير، ومن سفرته البسيطة، ومن وظيفته الهادئة.

الزواج كمشروع اجتماعي

حتى الزواج تغير. كثير من الناس لم يعودوا يبحثون عن شريك حياة بقدر بحثهم عن «مشروع اجتماعي ناجح»: حفلة ضخمة، تصوير، فندق، سنابات، استعراض، ثم بعد سنة أو سنتين يبدأ التعب الحقيقي. المفارقة أن بعض الآباء عاشوا برواتب أقل كثيراً، ومع ذلك كانت الضغوط النفسية عليهم أخف. لأن المجتمع وقتها كان أبطأ، المقارنات أقل، والتوقعات أكثر واقعية.

اليوم الإنسان يعيش تحت مراقبة مستمرة، حتى نجاحك لم يعد يكفي، يجب أن يبدو مبهراً أيضاً. ولهذا بدأنا نشاهد ظاهرة غريبة: أشخاص يملكون كل شيء تقريباً… ومع ذلك يشعرون بالإنهاك الداخلي. تجد شخصاً دخله ممتاز، وعنده بيت وسيارة واستثمارات، ثم يقول لك بهدوء: «والله تعبت». هو لا يقصد التعب الجسدي فقط، بل التعب من السباق نفسه.

الرفاهية الحقيقية: راحة البال

الناس تعتقد أن الثراء يعني الراحة النفسية. الحقيقة أن كثيراً من البشر لا يريدون ملايين إضافية بقدر رغبتهم بحياة أهدأ: أن ينام الإنسان دون قلق، أن يجلس مع أهله دون توتر، أن يشتري شيئاً دون التفكير بالأقساط، أن يعيش يوماً عادياً دون شعور دائم بأنه متأخر عن الآخرين. أحياناً أعظم رفاهية في هذا الزمن ليست السيارة الفاخرة ولا الساعة النادرة. أعظم رفاهية أن تكون مرتاح البال.