باب بلغراد في إسطنبول... معبر عبر العصور يجمع بين الحروب والتجارة

في قلب مدينة إسطنبول، وعلى امتداد أسوارها البرية العريقة، يقف باب بلغراد كشاهد صامت على نحو 1600 عام من التاريخ، حاملاً في أحجاره ونقوشه قصص الإمبراطوريات المتعاقبة والحروب والتحولات العمرانية التي شهدتها المدينة.
لم يكن هذا المعبر مجرد بوابة عادية، بل نقطة التقاء حيوية للحركة العسكرية والتجارية بين داخل إسطنبول وخارجها، حيث اختزل فصولاً من ذاكرة المدينة وكشف عن تداخل اعتبارات الدفاع والتجارة وحاجات السكان في تشكيل ملامحها عبر القرون.
بوابة جمعت بين الدفاع والتجارة
شُيّدت الأسوار البرية التي يقع ضمنها باب بلغراد عام 413 ميلادي في عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الثاني، وعُرفت باسم “أسوار ثيودوسيوس”، ممتدة من منطقة سراي بورنو باتجاه ولاية أدرنة شمال غرب البلاد، لتشكل أحد أبرز خطوط الدفاع عن المدينة.
ومع توسع إسطنبول، فُتحت في الأسوار بوابات ربطت الطرق الخارجية بمراكز المدينة، وتحولت إلى معابر للحركة العسكرية والتجارية. وتتيح النقوش الحجرية المحيطة بباب بلغراد تتبع مراحل بناء التحصينات والتعديلات التي طرأت عليها.
ويشير أحد النقوش إلى أن الإمبراطور أركاديوس بدأ أعمال بناء الأسوار، فيما استكملها الإمبراطور ثيودوسيوس، كما يتضمن معلومات عن إقامة التحصينات فوق منظومة أقدم واعتماد نظام الأسوار المزدوجة. ويتناول نقش آخر أعمال ترميم نُفذت في عهد الإمبراطور قسطنطين، مشيراً إلى إنجازها خلال نحو 60 يوماً.
وقال الأستاذ في قسم تاريخ الفن بكلية الآداب في جامعة إسطنبول مدنيت، قادر بكتاش، للأناضول، إن موقع باب بلغراد ضمن أسوار ثيودوسيوس أكسبه أهمية عسكرية وتجارية، وجعله أحد المعابر التاريخية المهمة في المدينة. وأوضح أن الباب يقع في منطقة تتجه فيها الأسوار نحو الجنوب، ما منحه موقعاً استراتيجياً.
وأضاف: “حافظ الباب على أهميته العسكرية والتجارية خلال العهدين البيزنطي والعثماني. فالأبواب الموجودة في الأسوار كانت تربط داخل المدينة بخارجها، وتتيح للناس الدخول والخروج، كما كانت نقاطاً لمراقبة الحركة وضبطها لأغراض أمنية. لذلك، لا ينبغي النظر إلى باب بلغراد باعتباره مجرد ممر للعبور”.
إعادة فتح الباب لخدمة السكان
بعد فتح إسطنبول عام 1453، أُغلق الباب لفترة وعُرف باسم “الباب المغلق”، قبل أن يُعاد فتحه لاحقاً، ويسهم في تسهيل الوصول إلى المستشفى اليوناني بمنطقة باليكلي. وقال بكتاش إن باب بلغراد مر بمرحلة مختلفة بعد الفتح، حيث أُغلق لفترة ثم فُتح مجدداً في مرحلة لاحقة.
وأضاف أن تسهيل الوصول إلى المستشفى اليوناني في باليكلي كان من الأسباب المهمة وراء إعادة استخدامه، ما يعكس تغير وظيفة البوابة تبعاً لاحتياجات المدينة. وتطرق إلى أصل تسمية “باب بلغراد”، مشيراً إلى وجود روايات مختلفة بشأنها، وقال إن أحمد مختار باشا (1839–1919)، أحد أبرز القادة العسكريين ورجال الدولة العثمانيين، أرجع الاسم إلى الحي الذي يقع فيه الباب، فيما توجد تفسيرات أخرى لا يمكن التعامل معها جميعاً بوصفها معلومات مؤكدة.
وشدد على ضرورة دراسة استخدام الاسم في المصادر التاريخية المختلفة للوصول إلى فهم أدق لأصله.
عمارة تحمل آثار عصور مختلفة
أوضح بكتاش أن المظهر المعماري الحالي لباب بلغراد يعكس تدخلات تعود إلى مراحل تاريخية متعددة، إذ يقع الباب بين برجين وله قوس مستدير، فيما يغطي ممر العبور سقف مقبب. وأشار إلى أن أبراج الباب تظهر تقنيات البناء المستخدمة في أسوار ثيودوسيوس، وأن بعض الإضافات التي تعود إلى العهد العثماني ربما زالت بمرور الوقت، بينما لا تزال آثار تلك المرحلة ظاهرة في نسيج الجدران وبعض التفاصيل المعمارية.
وقال: “الصرح الذي نراه اليوم ليس نتاج مرحلة تاريخية واحدة، بل يحمل آثار التدخلات والتغييرات التي شهدها في عصور مختلفة”.
وعلى مر القرون، تأثر الباب والأسوار المحيطة به بالزلازل وعوامل التدهور، وكان زلزال عام 1894 من أبرز الأحداث التي ألحقت أضراراً بالأجزاء العلوية من الأبراج، فيما خضعت الأسوار لأعمال ترميم وإعادة تنظيم عامي 1986 و1987.
حكاية باب تروي تاريخ المدينة
أكد بكتاش أن تاريخ باب بلغراد يتجاوز التاريخ المعماري للصرح، إذ يتيح فهم منظومة الدفاع عن إسطنبول وتنظيم المدينة في العهد البيزنطي واستخدام البوابة خلال العهد العثماني. وقال: “عبر هذه الأبواب، كان الناس يدخلون المدينة ويخرجون منها، وكانت التجارة تجري، وتتحرك القوات العسكرية. لذلك، فإن حكاية الباب ليست مجرد حكاية مبنى، بل تخبرنا أيضاً كيف كانت المدينة تعيش”.
وأضاف أن بقاء باب بلغراد قائماً حتى اليوم يتيح قراءة مراحل مختلفة من تاريخ إسطنبول في مكان واحد، ويجعله شاهداً على التحولات التي مرت بها المدينة عبر القرون.










