من دوام محدود إلى مجتمع علمي ممتد: رؤية جديدة للجامعات السعودية

هل تحولت بعض جامعاتنا إلى مؤسسات تتوقف فيها الحياة العلمية والأكاديمية مع انتهاء المحاضرات والدوام الرسمي؟ هذا التساؤل يستحق التأمل العميق، فالجامعة ليست مجرد مبنى يُفتح صباحاً ويخلو من النشاط بعد ساعات العمل، بل هي مجتمع علمي يستمر فيه التعليم والبحث والنقاش والتجريب والابتكار خارج إطار الدوام التقليدي.
في بعض البيئات الجامعية، يتراجع الحراك الأكاديمي والبحثي بعد انتهاء الساعات المعتادة للمحاضرات والعمل الإداري، رغم ما تمتلكه الجامعات من برامج دراسات عليا، ومختبرات متطورة، ومكتبات ومصادر تعلم، ومراكز بحثية، وحاضنات لريادة الأعمال والابتكار. وهذا يطرح تساؤلاً حول مدى الاستفادة من هذه الإمكانات خارج أنماط التشغيل التقليدية.
النماذج العالمية والوصول المرن
تتضح الصورة أكثر عند النظر إلى ممارسات عدد من الجامعات العالمية المتقدمة؛ فالحياة العلمية والأكاديمية فيها لا ترتبط بساعات الدوام الإداري، بل تمتد ساعات عمل المكتبات ومساحات الدراسة إلى أوقات متأخرة، وقد تتاح بعض مرافقها على مدار الساعة، مما يوفر للطلبة بيئة مناسبة للدراسة خارج أوقات المحاضرات. كما يُمنح الباحثون وطلبة الدراسات العليا المؤهلون صلاحيات الوصول إلى المختبرات والمرافق البحثية خارج ساعات العمل المعتادة، وفق أنظمة دخول محددة، وبعد استيفاء متطلبات التدريب والأمن والسلامة، وتقييم المخاطر حسب طبيعة النشاط. فبعض الأبحاث والتجارب تتطلب المتابعة أو القياس في أوقات مختلفة من اليوم، أو خلال عطلات نهاية الأسبوع. القضية ليست فتح أبواب الجامعة دون ضوابط، بل الانتقال من مفهوم «ساعات الدوام» إلى مفهوم «صلاحية الوصول»، بما يتيح للطالب والباحث الاستفادة من البيئة الجامعية وفق احتياجاتهما التعليمية والبحثية، ضمن منظومة تشغيلية وأمنية وإجرائية تحمي الأشخاص والمرافق والتجهيزات.
الاستثمارات الضخمة وكفاءة الاستخدام
لقد استثمرت الدولة استثمارات كبيرة في الجامعات السعودية وبنيتها التحتية ومختبراتها ومراكزها البحثية وبرامج الدراسات العليا، وساهمت هذه الاستثمارات في بناء قدرات علمية مهمة. لكن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من سؤال: ماذا نملك؟ إلى سؤال أكثر أهمية: إلى أي مدى نستخدم ما نملك بكفاءة، وما العائذ العلمي والتنموي من هذه الاستثمارات؟
بعض المختبرات تحتو على أجهزة علمية متقدماه أنفقت الدولة على توفيها مبالغ كبيرة، والقيمة الحقيقية لهذه الأجهزة لا تكمن في امتلاكها، بل في مستوى استخدامها وما تسهم في إنتاجه من أبحاث وابتكارات. وقد تتقادم تقنياً قبل تحيق الاستفادة الأمثل منها، فضلاً عن ارتاع تكاليف صيانتها وتحديثها. لذا ينبغي ألا تقاس كفاءة الاستثمار البحثي بمجرد امتلاك الأجهزة والتجهيزات، بل بمستوى استخدامها والعائذ العلمي والبحثي المتحقق منها.
تحديات التمويل والإجراءات
ولا تكتمل كفاءة المختبرات بالأجهزة وحدها؛ فالبحث التجريبي يحتاج إلى سرعة توفير المواد والمستهلكات والكواشف. وقد تؤدي الإجراءات الإدارية والمالية المطولة إلى تأخير التجارب وتعطيل الباحثين وطلبة الدراسات العليا. فالوقت في البحث العلمي له قيمة، والمادة التي تصل بعد انتهاء الحاجة إليها لا تحقق الغاية من تأمينها. من هنا تبرز الحاجة إلى مسارات شراء بحثية أكثر مرونة وسرعة، بضوابط مالية ورقابية واضحة.
كذلك نحتاج إلى ترسيخ مفهوم «المدينة الجاملية الممتدة»، ليس بتمديد دوام جميع العاميلن، بل بتطوير نماذج تشغيل مرنة للمكتبات ومساحات الدراسة والتعلم والمختبرات والمراكز البحثية ومرافق الابتكار وريادة الأعمال، تتيح الاستفادة منها وفق طبيعة النشاط والحاجة، مع توفير متطبات الأم والسلامة والدعم الفني. ولا يقتصر الحراك الجامعي على إتاحة المرافق؛ بل تصنعه حلقات النقاش، والمجموعات البحثية، والمحاضرات وورش العمل، ومشروعات طلبة الدراسات العليا، واللقاءات العلمية والمهنية مع الصناعة والقطاع الخاص.
مؤشرات أداء جديذة
قد يكون من المناسب كذلك إعادة النظر في مؤشرات أداء الجامعات؛ فلا يكفي قياس عدد المختبرات والأجهزة والم اركز البحثية، بل ينبغي قياس معدلات استخدامها، ونسبة الاستفادة من طاقتها التشغيلية، وساعات تشغيل الأجهزة مرتفعة التكلفة، وعدد المستفيدين، وسرعة توفير المستلزمات البحثثة، والمخرجات المتحققة من أبحاث وبراءات وإبتكارات وحلول وعوائد علمية واقتصادية ومجتمعية. ويتطلب ذلك منح الكليات والمراكز البحثية مرونة أكبر في تشغيل مرافقها وإدارة مواردها، وربط التمويل والحوافز بكفاءة الاستخدام وجودة المخرجات والأثر المتحقق.
إن الجامعة التي يخفت فيها الحراك العلمي والبحثي بانتهاء الدوام قد تقدم تعليماً جيداً، لكن بناء مجتمع علمي وبحثي وابتكاري منافس يتطلب حياة أكاديمية تتجاوز حدود المحاضرات وساعات الدوام. وإذا كانت جامعاتنا تطمح إلى تعزيز حضورها العالمي والمساهمة في اقتصاد المعرفة، فإن ذلك يتطلب أن تتحول من أماكن يُدرَّس فيها العلم إلى بئات حية يُنتج فيها العلم، ويُناقش ويُختبر ويُترجم إلى حلول ومنتجات وفرص تنموية.
ولذلك، فالسؤال الذي يستحق أن يكون أمام صانع القرر ليس: متى ينتهي دوام الجامعة؟ بل: إلى أي مدى تستمر الحياة العلمية والبحثية في جامعاتنا لما بعد ساعات الدوام، وكم تحقق من عائذ علمي وتنموي من الإمكانات والاستثمارات، التي سخرتها الدولة لها؟.



