سائقون يحوّلون سياراتهم إلى استوديوهات بث مباشر أثناء القيادة

لحظة واحدة، تعليق واحد، ونظره ثانية إلى شاشة الهاتف قد تكون كافية لتغيير كل شيء تمامًا.
السيارة تصبح استوديو
في مشاهد متكررة على طرق متنوعة، يلجأ بعض سائقات وسائقي المركبات إلى تشغيل بث مباشر عبر منصات التواصل بينما تقود السيارة، فيحدثون المتابعين، يقرأون التعليقات، يجيبون على الأسئلة، ويتابعون أعداد المشاهدات والتفاعل، والسيارة تسير في حركة مرورية لا تسمح بالخطأ.
لم يعد الأمر مجرد استخدام هاتف أثناء القيادة؛ فالبث المباشر يعني أن السائق قد ينشغل في وقت واحد بالتصوير والحديث ومتابعة الشاشة وقراءة التعليقات والتفاعل مع الجمهور.
بينما يحتاج قائد المركبة إلى تركيز بصري وذهني كامل لمراقبة الطريق، يصبح جزء من هذا التركيز موجهًا إلى شاشة صغيرة قد تحمل تعليقًا أو إشعارًا أو تفاعلًا جديدًا.
المخاطر المترتبة على التشتيت
وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فقد تكون المركبة تسير بسرعة، والطريق قد يتغير في لحظة، ومركبة أخرى قد تتوقف فجأة، أو يضطر أحد السائقين إلى تغيير مساره، بينما صاحب البث منشغل بما يحدث على شاشة هاتفه.
«ثواني الشهرة» لا تستحق المخاطرة؛ ربما يرى صاحب البث أن الأمر لا يتجاوز دقائق من الحديث مع المتابعين، وربما يعتقد أنه يستطيع الجمع بين القيادة والبث، لكن الخطورة لا تقاس بما يحدث في الظروف العادية؛ وإنما بما قد يحدث في اللحظة غير المتوقعة، فالطريق لا يمنح السائق فرصة لإعادة المشهد إذا أخطأ.
وفي بعض الحالات، لا يتوقف الأمر عند السائق؛ إذ يتحول المتابعون أنفسهم إلى جزء من عملية التشتيت من خلال الأسئلة والتعليقات والطلبات المتتالية. كل إشعار جديد قد يدفع السائق إلى النظر للشاشة، وكل تعليق قد يستدعي ردًا، وكل تفاعل قد يشجعه على مواصلة البث، وهكذا يصبح السائق أمام مهمة مزدوجة: قيادة مركبة ومتابعة جمهور في الوقت نفسه.
خطر لا يخص السائق وحده؛ فالخطأ المفاجئ قد يدفع ثمنه راكب يجلس إلى جواره، أو أسرة في مركبة أخرى، أو مشاة يعبرون الطريق. ولهذا فإن المسؤولية هنا تتجاوز فكرة «أنا حر في تصرفي»، لأن الطريق مساحة مشتركة، وأي خطأ قد يمتد أثره إلى أشخاص لا علاقة لهم بالبث ولا بالمحتوى.
دور المجتمع في التوعية
محتوى يمكن تأجيله.. وحياة لا يمكن استعادتها. لا أحد يعارض استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولا التصوير أو البث المباشر، لكن المكان والوقت يصنعان الفارق. ويمكن للسائق أن يتوقف في موقع آمن، وينهي قيادته، ثم يبدأ بثه بكل حرية، أما خلف المقود، فهناك مهمة واحدة لا تحتمل المنافسة: القيادة بأقصى درجات التركيز.
فالترند ينتهي، والبث يُغلق، والتعليقات تتوقف، والمشاهدات تتغير أرقامها..لكن آثار الحوادث قد تبقى مدى الحياة.
الرسالة الأخيرة: الطريق ليس مسرحًا للبث المباشر، والسيارة ليست استوديو تصوير لذلك «أوقف المركبة.. ثم ابدأ البث»، فربما يكون أفضل بث مباشر تقوم به اليوم هو الذي تعود بعده إلى منزلك سالماً.
وهنا على المجتمع والجهات ذات العلاقة بما فيها المدارس والجامعات تفعيل دورها التوعوي لجيل الشباب والفتيات قائدي وقائدات المركبات وتحذيرهم من استخدام الهاتف مطلقاً والابتعاد عن ممارسة البثوث المباشرة التي تعد فخاً لهم للوقوع في حوادث مرورية خطيرة -لا قدر الله- قد يفقدون فيها أرواحهم أو قد يتسببون في إزهاق أرواح غيرهم، وأن عليهم التقيد بأنظمة السلامة المرورية واتباعها حفاظاً على سلامتهم وسلامة الآخرين.



