جائزة التراث العمراني.. الوفاء للمكان رسالة وطنية تمتد لعقدين

في خطوة تعكس المكانة المتزايدة لجائزة التراث العمراني، عقد المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة التراث غير الربحية، الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، اجتماعاً لتقييم مسيرة الجائزة وخططها المستقبلية، مؤكداً حرصه الدائم على تطوير هذا المشروع الوطني الذي تحول إلى علامة فارقة في الحفاظ على التراث العمراني بالمملكة.
تطوير الجائزة وتعزيز أثرها
اطلع الأمير سلطان خلال الاجتماع على خطة عمل الجائزة ومستجدات فروعها، ومنها جائزة الإنجاز مدى الحياة ومسار جائزة الطلبة، وناقش خطط التطوير المؤسسي الرامية إلى تعزيز مكانتها الريادية وتوسيع أثرها في مجالات التدريب والتأهيل ونشر المعرفة ودعم الابتكار، وذلك امتداداً لمسيرة تجاوزت عقدين من الزمن تعمل على غرس الوعي وإشعال الشغف وتأهيل جيل جديد يؤمن بقيمة المكان ومسؤولية الحفاظ عليه.
ثقافة وطنية تجاه التراث العمراني
ما يميز هذه الجائزة أنها لم تكتفِ بتكريم المشاريع والإنجازات، بل أسهمت في صناعة ثقافة وطنية شاملة تجاه التراث العمراني، ثقافة ترى في المبنى التاريخي قصة تستحق الرواية، وفي الموقع التراثي كنزاً يجب صيانته، وفي الهوية العمرانية إرثاً ينبغي نقله للأجيال القادمة بفخر واعتزاز.
أدرك الأمير سلطان بن سلمان منذ وقت مبكر أن التنمية الحقيقية لا تعني استبدال القديم بالجديد، بل تعني الحفاظ على الجذور مع التطلع إلى المستقبل، ولذا تحولت الجائزة إلى منصة وطنية تحتفي بالإبداع الموازن بين الأصالة والمعاصرة، وتمنح التراث حياة جديدة دون فقدان روحه وهويته.
أرقام الدورة السابعة.. حراك علمي ومهني واسع
تتجلى قيمة الجائزة بوضوح من خلال أرقام دورتها السابعة التي تعكس حجم الحراك العلمي والمهني الذي تصنعه. شارك فيها 122 مشاركاً يمثلون 15 جامعة من مختلف مناطق المملكة، وينتمون إلى 9 مناطق سعودية، في مشهد يؤكد اتساع دائرة الوعي بأهمية التراث العمراني وتحول الجائزة إلى حاضنة وطنية للأفكار المبدعة والمشروعات الطموحة.
تنافس المشاركون عبر مسارين رئيسيين يحملان رسالة عميقة نحو المستقبل؛ الأول يركز على تكييف استخدام المباني والمواقع التراثية لضمان استدامتها واستمرار حضورها في الحياة المعاصرة، بينما يتناول الثاني التصميم العمراني والتكامل الحضري، بهدف صياغة مدن أكثر انسجاماً مع تاريخها وأكثر قدرة على مواكبة تطلعات المستقبل.
لم تكن هذه المشاركات مجرد مشاريع أكاديمية أو تصاميم هندسية، بل كانت تعبيراً صادقاً عن حب الوطن ورغبة الشباب السعودي في أن يكونوا شركاء حقيقيين في حماية الذاكرة الوطنية وصناعة مستقبل أكثر ارتباطاً بجذوره الثقافية والحضارية.
من أجمل ما تحققه الجائزة أنها لا تحفظ الحجر فقط، بل تحفظ الحكاية التي يسكنها الحجر، فهي تعيد الاعتبار للأماكن التي شهدت بدايات المجتمع، وتحفظ ملامح المدن والقرى التاريخية، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف على قصص الآباء والأجداد الذين صنعوا تاريخ هذه الأرض المباركة.
مشروع وطني متكامل
جائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني لم تعد مجرد جائزة تُمنح للفائزين، بل أصبحت مشروعاً وطنياً متكاملاً يرسخ ثقافة الاعتزاز بالهوية ويعزز الوعي بأهمية التراث ويفتح آفاق الابتكار أمام الشباب والباحثين والمتخصصين، لتظل المملكة نموذجاً عالمياً في التوازن بين التنمية الحديثة والمحافظة على الموروث الحضاري.
وكلما مضت الأعوام، تزداد هذه الجائزة رسوخاً وتأثيراً، لأنها تنطلق من رؤية تؤمن بأن الأمم العظيمة لا تبني مستقبلها على فراغ، بل تبنيه فوق أساس متين من التاريخ والهوية والذاكرة. بارك الله جهود الأمير سلطان وجهود كل من يعمل تحت مظلة هذه الجائزة الوطنية الرائدة، لتبقى منارة مضيئة في مسيرة الحفاظ على التراث العمراني السعودي، وشاهداً حياً على أن الوفاء للمكان هو في حقيقته وفاء للوطن والإنسان والتاريخ.



