عندما تتحدث الأرقام.. هل يشعر المواطن بالتغيير؟

الإنجازات والمؤشرات الدولية
حققت المملكة خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا ظهر في صعودها على عدة مؤشرات دولية وتنموية، حتى باتت موجودة في قوائم عالمية بعد فترة قصيرة من بدء هذا الجهد. هذه النجاحات تُعَد ثمرة عمل مؤسسي واسع ورؤية طموحة وضعت الإنسان في قلب عملية التنمية، وهو ما تؤكده القيادة في كل مناسبة وطنية.
الفجوة بين الأرقام والواقع اليومي
ومع هذا الزخم من البيانات والإعلانات والتصنيفات، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يشعر المواطن بنفس degré من النجاح الذي تعكسه المؤشرات؟ وهل يلمس أثر هذه المؤشرات في حياته اليومية؟ المواطن لا يعيش داخل الجداول الإحصائية، ولا يقيّم جودة حياته بالترتيب الذي تحققه التقارير الدولية، بل يقيّمها بسهولة الحصول على الخدمة، وتوفر الفرص، وجودة التعليم والصحة، وقدرته على تملك السكن وتحسين مستوى معيشته. هنا يظهر الفرق بين «تحقيق المؤشر» و«تحقيق الأثر». من العدل أن موضوع «الأثر» أصبح هدفًا استراتيجيًا لعدة جهات ومسؤولين، لكننا ما زلنا في بداية هذا الطريق.
في بعض الأحيان تتحول المؤشرات إلى غاية بحد ذاتها، بعد أن كان يفترض أن تكون وسيلة للقياس والتطوير، فينشغل بعض المسؤولين بتحقيق الرقم المطلوب وإعلانه إعلاميًا، بينما يبقى السؤال الأساسي معلقًا: هل تغير واقع المستفيد فعلًا؟ وهل تعكس هذه الأرقام تجربة المواطن اليومية في المدن الكبرى والمحافظات والقرى على حد سواء؟ هذه الفجوة ليست خاصة بالمملكة فقط، بل هي ظاهرة عالمية تناولتها دراسات إدارية وتنمية عديدة حذرت من الانشغال بالمؤشرات الكمية على حساب النتائج النوعية؛ فالحقيقي لا يُقاس بعدد المبادرات المعلنة، بل بحجم الأثر الذي يتركه في حياة الناس.
مقترحات لربط التقييم بالأثر
من هنا تبرز الحاجة إلى أدوات قياس أعمق تتجاوز التقارير الرسمية إلى استطلاعات رأي مستقلة ودورية تقيس رضا المواطنين ومستوى استفادتهم الفعلية من البرامج والخدمات، كما أن من المهم مقارنة نتائج المؤشرات بين المناطق المختلفة لمعرفة ما إذا كانت ثمار التنمية تصل بالتساوي إلى الجميع أم أنها تتركز في المدن الكبرى أكثر من غيرها.
إن قوة أي مشروع تنموي لا تُقاس بما يقال عنه، بل بما يلمسه الناس منه. لذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال من ثقافة «إدارة المؤشرات» إلى ثقافة «إدارة الأثر»، ومن التركيز على ما يُعلن إلى التركيز على ما يُعاش.
في هذا السياق يمكن طرح ثلاث توصيات رئيسة من وجهة نظر إعلامية وبحثية: أولًا نشر مؤشرات رضا المواطنين بشكل دوري وشفاف؛ ثانيًا ربط تقييم الجهات الحكومية بالأثر الفعلي على المستفيدين لا بمجرد تحقيق الأرقام؛ ثالثًا توسيع الدراسات الميدانية لتشمل المحافظات والمناطق الطرفية بالقدر نفسه الذي تشمل به المدن الكبرى.
ويبقى أفضل مؤشر وأصدقه هو الذي لا يحتاج إلى تقرير أو مؤتمر صحفي لإثباته، أو نشره في منصات دولية والترويج له كمنجز للجهة على حساب أعمال أساسية لم تقدم. حجر زاوية النجاح الحقيقي لأي منظومة هو شعور المواطن بأن حياته أصبحت أفضل مما كانت عليه بالأمس.



