الرئيسيةمحلياتمراكز البيانات بين السيادة الرقمية وإدارة...
محليات

مراكز البيانات بين السيادة الرقمية وإدارة المخاطر في المملكة

في سلسلة مقالات سابقة أعربتُ عن إعجابي بالإنجازات التي حققتها رؤية المملكة 2030، وكيف ساهمت في دفع البلاد إلى الأمام في عالم يتغير سريعاً. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن مراكز البيانات وإدارة مخاطرها يأتي من موقف داعم لا يكتفي بالتصفيق، بل يسعى إلى تعزيز فرص نجاحها من خلال طرح الأسئلة الجوهرية في الوقت المناسب، لا سيما ما يتعلق بالمخاطر والموارد والاستدامة والعائد الوطني.

المشروعات الضخمة ومفهوم الحاجة

تشهد المملكة حالياً تنفيذ عدة مشاريع كبرى في مجال البنية الرقمية، منها مركز بيانات “هيكساجون” التابع لسدايا، ومشروع “هيومين” الذي يهدف إلى إنشاء منظومة متقدمة للذكاء الاصطناعي، مراكز البيانات، الحوسبة السحابية والنماذج اللغوية. السؤال لم يعد “هل نحتاج إلى هذه المشاريع؟” فالإجابة واضحة بالإيجاب، لكن التحدي الآن هو كيفية ضمان أن تكون هذه الاستثمارات رائدة، مستدامة، ومحسوبة المخاطر.

دروس من تجربة زراعة القمح في الثمانينات

في ثمانينيات القرن الماضي خاضت المملكة تجربة طموحة لزراعة القمح بهدف تحقيق الأمن الغذائي. نجحت التجربة ظاهرياً وأصبحت المملكة من الدول المنتجة للقمح، لكن السؤال الذي ظهر لاحقاً كان عن مصدر المياه وتكلفتها الفعلية. الدرس المستفاد هو أن بعض المشاريع لا تفشل لأنها لا تحقق هدفها، بل لأنها تنفق موارد استراتيجية أكثر قيمة من الهدف نفسه؛ فالماء الجوفي كان أثمن من القمح. يُستشهد بهذه التجربة اليوم ليس للنقد، بل لتسليط الضوء على أهمية إدارة المخاطر والحوكمة في المشاريع الضخمة.

مراكز البيانات كعنصر أساسي للسيادة الرقمية

لم تعد مراكز البيانات مجرد رفاهية تقنية، بل هي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني والسيادة الرقمية، وتُعدّ أداة حاسمة لامتلاك دول المستقبل لتقنيات الذكاء الاصطناعي. الدول التي لا تمتلك بنية رقمية قوية ستظل مستهلكة للتقنية دون أن تكون شريكة في إنتاجها أو توجيهها. ومع ذلك، لا يعني التأييد لهذا الاتجاه تجاهل الأسئلة الصعبة؛ فمراكز البيانات ليست “سحباً” عابرة، بل منشآت ضخمة تتطلب طاقة، تبريد، مياه، أراضي، شبكات استثمارية طويلة الأجل. كلما ارتفع الطلب على الذكاء الاصطناعي، زادت احتياجات هذه المراكز من الموارد.

التحديات المحلية وتطلعات الاستدامة

في بعض الدول شهدت تجارب رفض توسيع مراكز البيانات بسبب مخاوف من ارتفاع تكاليف الكهرباء والضغط على موارد المياه وانخفاض العائد المحلي المباشر. وهذا يُظهر أن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيُحدَّد ليس فقط في المختبرات والشركات، بل في محطات الطاقة، شبكات المياه، أنظمة التبريد، ومجالس البلديات التي يجب أن تضمن توزيع التكلفة بعدالة وتحقيق عائد يستحق.

الجهود السعودية الحالية تُظهر اعتماداً على معايير متقدمة لكفاءة الطاقة، التبريد الذكي، الأنظمة الهجينة والاستدامة. هذه النقاط تُعدّ أساساً لتضمين إدارة المخاطر داخل تصميم المشروع نفسه. إلا أن حجم الطموح يتطلب حوكمة مستمرة لا تقتصر على المواصفات الفنية الأولية. التحدي ليس مجرد بناء مراكز بيانات، بل إنشاء نموذج سعودي محسوب المخاطر يقيس النجاح بكفاءة الطاقة، نوعية المياه المستخدمة، القيمة المضافة المحلية، نسبة التوطين المعرفي، ومدى ارتباط البنية بالبحث والتطوير والصناعة والقطاع الحكومي.

إدارة المخاطر يجب أن تبدأ قبل تشغيل المراكز، لا بعد استلام الفاتورة. من الضروري السؤال: هل تُستَخدم مياه معالجة بدلاً من المياه العذبة؟ هل تُطبق تقنيات تبريد جاف أو هجين ملائمة للبيئة المحلية؟ هل ترتبط المراكز بمصادر طاقة مستقرة ومستدامة؟ وكيف تُقاس القيمة الاقتصادية لكل ميغاواط مستهلك؟ كذلك، يجب ربط المراكز بمنظومة قيمة مضافة شاملة؛ فالسيادة الرقمية لا تكتمل بوجود الخوادم فحسب، بل بوجود المعرفة، المهارات، الملكية الفكرية، النماذج الوطنية، والشركات المحلية القادرة على الاستفادة من البنية.

المطلوب ليس خفض الطموح، بل إضافة عقلية إدارة المخاطر إلى كل مرحلة. المشاريع الضخمة تحتاج إلى رأس حكمة إلى جانب رأس المال. الفرق بين الريادة والمغامرة غير المحسوبة يكمن في معرفة المكان الذي تُوضع فيه خطوة النجاح. كما علمتنا تجربة القمح، لا يتحقق الأمن بمجرد إنتاج السلعة إذا كان ذلك على حساب مورد أكثر ندرة. كذلك، لا يتحقق الأمن الرقمي ببناء مراكز ضخمة فقط إذا لم تكن مستدامة وتحقق عائدًا وطنيًا واضحًا.

السيادة الرقمية تتجاوز امتلاك مراكز البيانات لتشمل سيادة البيانات (Data Sovereignty) التي تضمن بقاء البيانات الوطنية الحساسة تحت القوانين المحلية طوال دورة حياتها من التخزين إلى المعالجة والتحليل والنقل. نأمل أن تتصدر المملكة هذه الرؤية لتتماشى مع طموحات رؤية 2030 وتعزز استقلالها الرقمي.

الهدف ليس تكرار تجربة القمح بصيغة رقمية، ولا زرع “قمح رقمي” في صحراء الموارد. الهدف هو مشروع رقمي كبير، ريادة سعودية في الذكاء الاصطناعي، مع إدارة موارد حكيمة، حوكمة مخاطر فعّالة، ووعي بأن أعظم المشاريع هي التي تصمد عندما تُظهر تكلفتها الحقيقية.