تأملات في صدمات الزمالة الجامعية بين التنافس والإنسانية

انطلقت فكرة هذا المقال من تعليق أستاذ اللغويات المشارك بجامعة الملك خالد، الدكتور محمد آل المزاح القحطاني، على مقال سُبق نشرته الصحيفة بعنوان «التشافي من صدمات الطفولة». كتب في تعليقه سؤالاً لاذعاً: «وكيف التشافي من صدمات الزمالة؟!» وقد ألهمت هذه العبارة تأملًا عميقًا في واقع الجامعات التي نقضي فيها سنوات طويلة من عمرنا بين التدريس والبحث والعمل الإداري وخدمة المجتمع.
الجامعة مؤسّسة بشرية رغم دورها العلمي
بالرغم من أن الجامعات تُعَدّ منارات للمعرفة، فإنها في جوهرها مؤسسات بشرية لا يمكن أن تنفصل عن الاختلافات والصراعات وسوء الفهم والتنافس. يبقى الاعتقاد السائد أن الحصول على أعلى الدرجات أو ارتقاء المرء إلى مرتبة عالم يحرره من نزعات النفس أو من رغبة الظهور أو من مشاعر الحسد غير صحيح. لا يُستند هذا القول إلى تجربة شخصية محددة، بل هو نتاج تأملات استقرت على ما قرأه وسمعه وتبادل فيه النقاشات الأكاديمية، وما وفرته البيئة الجامعية من مواقف وخبرات متعددة.
أنماط الصراع داخل الأطر الجامعية
تتجلى التحديات في أوجه مختلفة داخل الحرم الجامعي؛ قد تظهر في السعي للمنصب الأكاديمي، أو في الخلافات المتعلقة باللجان والبرامج، أو في الاعتراض على تكليفات معينة، توزيع الجداول، مراقبة الامتحانات، أو حضور المؤتمرات والفعاليات. كذلك تنعكس على مسألة الترقيات والتعيينات. وفيما يتعلق بخطط طلاب الماجستير والدكتوراه واختيار عناوين أبحاثهم، تنوعت الآراء العلمية بطبيعتها، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الاختلاف إلى إيمان راسخ بأن رأي أحدهم هو الوحيد الصائب، وأن خبرته أو مكانته تبرّره لفرض رؤيته على الآخرين.
تظهر بعض التجارب أن الأعضاء الجدد في الأقسام العلمية يواجهون في بداياتهم اعتراضات تُبرَّر بأنها دفاع عن معايير القسم ومصلحته. لا يُنكر أهمية الحفاظ على جودة القسم واختيار الأكفأ، إلا أن بعض «حراس القسم» لم يثبتوا علميًا ما يدعم تلك الاعتراضات، بل أظهرت التجربة هشاشتهم وضعف خبرتهم، مما يثير تساؤلات حول معايير الاختيار وآليات التعيين التي سُرّيت في تلك الفترات.
مجالس الأقسام وحقوق الاعتراض
تتعدد الآراء داخل مجالس الأقسام العلمية، وهذا التنوع يُعَدُّ مؤشراً على حيوية المشهد الأكاديمي. غير أن بعض الأعضاء يواصلون التمسك بتحفظاتهم على قرارات الأغلبية أو المجلس، معتقدين أن الإدارة العليا يجب أن تُعيد النظر في تلك القرارات لتلائم موقفهم الشخصي. من المهم الإشارة إلى أن تسجيل التحفظات يُعَدُّ حقًا مشروعًا وقد يكون ضرورة مهنية وأخلاقية، لكن العمل المؤسسي لا يقتصر على أخذ كل تحفظ، بل على دراسة الآراء واختيار القرار وفق القواعد والسلطات ومصلحة الجمع.
لو أُجبرت الأقسام على تنفيذ كل تحفظ، فإن سير العمل سيتعطل، وتصبح القرارات رهينة للمعارضات الفردية مهما كان عدد مؤيديها أو صحة إجراءاتها.
الصدمات الشخصية في بيئة الزمالة
أحيانًا تتجاوز الخلافات حدود الجدل العلمي أو الإداري لتتحول إلى صراعات شخصية، فيشعر الأكاديمي أن الاعتراض موجَّه إليه شخصيًا وليس إلى فكرته. تنشأ بذلك مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، خصوصًا عندما تصدر هذه المواقف من زملاء يُفترض أنهم شركاء في الرسالة العلمية. ومع ذلك، لا يجوز اختزال الصورة الأكاديمية في هذه السلبية؛ فالأكاديميات تزدهر بفضل أعضاء هيئة تدريس مخلصين يقدّمون العلم للطلبة بإخلاص ويتعاملون مع زملائهم بروح التعاون والاحترام، ويضعون مصلحة المؤسسة فوق الاعتبارات الذاتية.
هناك العديد من الأمثلة على أساتذة كرسوا وقتهم وخبراتهم لدعم الزملاء الأصغر سناً أو الأقل خبرة، وباحثين أسسوا شراكات علمية مثمرة، وأكاديميين تحملوا أعباء إدارية أو علمية إضافية خدمةً لقسمهم أو جامعتهم دون انتظار مكافأة. كذلك يبرز في الجامعات نماذج لعلماء جمعوا بين التميز العلمي والخلق الرفيع، فأصبحوا قدوة في العلم والسلوك معًا.
هذه النماذج الإيجابية تحافظ على روح الجامعة الحقيقية وتمنح الأجيال القادمة صورة متوازنة عن العمل الأكاديمي، مؤكدةً أن الزمالة الصادقة والتعاون البنّاء لا يزالان من أهم ركائز النجاح داخل الحرم الجامعي.
التعافي من صدمات الزمالة لا يعني إنكار الألم أو التقليل من أثره، بل يتطلب التعامل معه بوعي وتوازن، دون السماح له بأن يصبح عدسة مشوشة أو عبئًا مستمرًا في المسار المهني. كذلك يجب إدراك أن قيمة الأكاديمي لا تُقاس بخلافات عابرة أو نتائج تصويت أو مواقف أفراد مهما ارتفعت مناصبهم، بل تتجلى في ما يقدِّم من علم نافع، وما يتركه من أثر إيجابي، وما يبنيه على مر السنين من سمعة مهنية تتأسس على الكفاءة والأخلاق والإنجاز.
من الحكمة أن نتذكر دائمًا أن الجامعة أكبر من أي فرد، وأن المناصب واللجان والقرارات، مهما بدت مؤثرة في لحظتها، تظل مراحل عابرة في مسيرة العمل الأكاديمي، بينما يبقى العلم النافع، والأخلاق الرفيعة، والزمالة الصادقة إرثًا لا يزول بمرور الوقت. فإذا احتاجت صدمات الطفولة إلى شفاء، فإن صدمات الزمالة تتطلب حكمة ونضجًا أكبر؛ فالإنسان لا يختار عائلته، لكنه يملك القدرة على اختيار طريقة تعامله مع تجاربه المهنية، وتحويل المواقف المؤلمة إلى تجارب تصقل شخصيته وتثري خبرته وتعمق فهمه للناس والحياة. وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الإنسان بما واجهه من خلافات أو عقبات، بل بما تركه من علم نافع، وأثر طيب، وسيرة مهنية كريمة.



