التعيينات الجديدة في مجالس المناطق خطوة محورية لتعزيز التنمية المحلية ودفع مستهدفات رؤية 2030

بعد صدور الأمر السامي بالموافقة على تشكيل أعضاء مجالس المناطق الثلاث عشرة في المملكة لدورتها الثامنة، والتي تمتد لأربع سنوات، ومع ما تشهده البلاد من قفزات تنموية واقتصادية متسارعة، يبرز تساؤل رئيسي: ما أبرز الأدوار التي من المتوقع أن تضطلع بها هذه المجالس في دورتها الجديدة؟ وكيف ستسهم هذه التعيينات في رفع كفاءة التنمية المحلية وتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030؟
مجالس المناطق: منصات وطنية لاستشراف المستقبل
في هذا السياق، أوضح الدكتور سعود الغربي، المستشار الإعلامي ورئيس مجلس إدارة جمعية “إعلاميون”، أن مجالس المناطق تمثل ركيزة محورية في دعم التنمية المحلية، مشدداً على أنها ليست مجرد هيئات استشارية تعقد لقاءات دورية. وأضاف الغربي: “مجالس المناطق هي منصات وطنية يُنتظر منها الإسهام في استشراف مستقبل المناطق، وتعزيز تنافسيتها، واقتراح المبادرات التي تستثمر مزاياها النسبية وفرصها التنموية”.
وأشار الغربي إلى أن مسؤولية عضو مجلس المنطقة لا تقتصر على حضور الجلسات، بل تمتد إلى الإعداد المتقن، والدراسة المتعمقة للملفات، والمشاركة الفاعلة في أعمال اللجان، ومتابعة تنفيذ المشروعات، وقياس أثرها على التنمية وجودة الحياة، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. وأكد أن “عضو المجلس يمثل صوت المجتمع، لنقل احتياجات المواطنين وتطلعاتهم بمهنية وموضوعية، وأن يقدم الرأي المبني على المعرفة والخبرة، بعيداً عن المصالح الشخصية أو المجاملات التي قد تؤثر في ترتيب الأولويات أو تحجب مشروعاً تنموياً أكثر جدوى وتأثيراً”.
ولفت الغربي إلى أن المناطق السعودية تمتلك اليوم مقومات اقتصادية وسياحية وثقافية وبشرية واعدة، إلا أن تحويل هذه المقومات إلى فرص تنموية مستدامة يتطلب “رؤى نوعية، وأعضاء يمتلكون الحس الوطني، والقدرة على قراءة المستقبل، والشجاعة في طرح المبادرات، والحرص على متابعة تنفيذها حتى تحقق أهدافها”. ودعا إلى تعزيز دور مجالس المناطق في المرحلة المقبلة بوصفها “بيوت خبرة تنموية” تستفيد من التجارب الوطنية والدولية، وتعمل بروح الفريق مع مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي.
واختتم الغربي حديثه بالتأكيد على أن “نجاح مجالس المناطق لا يُقاس بعدد اجتماعاتها أو توصياتها، وإنما بما تُحدثه من أثر حقيقي في حياة الناس، وبما تقدمه من أفكار ومبادرات تسهم في صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً لكل منطقة”، مشدداً على أن “المسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون عضو المجلس صاحب رؤية، وشريكاً في التنمية، وأميناً على مصالح المنطقة، واضعاً المصلحة العامة فوق كل اعتبار”.
المجالس كمحرك للتنمية المحلية والاستثمار
من جانبه، اعتبر رجل الأعمال مبارك بن دهيكل السلمي أن الأمر السامي الجديد يمثل وثبة طموحة وفرصة لتعزيز دور المجالس كمحرك للتنمية المحلية، ليس فقط من خلال دورها الاستشاري النظامي، بل أيضاً عبر الإسهام في رفع كفاءة التخطيط، وتحسين التنسيق بين الجهات، ودعم الاستثمار، ومتابعة تنفيذ المشاريع التنموية، بهدف توظيف خبرات أعضائها بصورة فعالة، مما يُسهم في تسريع تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتعزيز التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة، بما يرفع جودة الحياة ويعزز تنافسية الاقتصاد المحلي.
المرأة السعودية شريك فاعل في مسيرة التنمية
من ناحيتها، قالت الباحثة والدبلوماسية سلاف الجهني: “وجود المرأة السعودية في مجالس المناطق تأكيد لدورها وأثرها الذي تتركه في المجتمع، والاقتصاد، والقيادة، والبحث العلمي، والابتكار”. وأضافت: “هن قادرات على تحويل الأفكار إلى حلول تسهم في خدمة الإنسان وتعزيز مكانة المملكة”. وأكدت الجهني أن المملكة أثبتت أن الاستثمار الفعلي يبدأ بالإنسان، وأصبحت المرأة السعودية شريكاً فاعلاً في مسيرة التنمية، تتحمل المسؤولية، وتنافس عالمياً، وتسهم في صناعة الحلول. وأشارت إلى أن الطموح السعودي لا يعرف حدوداً عندما تقترن الثقة بالفرصة، قائلة: “غير أن المرحلة المقبلة هي الاستثمار في الجيل القادم من العالمات، والباحثات، والدبلوماسيات، والمهندسات، والطبيبات، ورائدات الأعمال، والمبتكرات؛ لأن المستقبل لن تصنعه الموارد الطبيعية وحدها، بل تصنعه اليوم – في ظل رؤية السعودية – العقول القادرة على تحويل المعرفة إلى اكتشافات، والأفكار إلى مشاريع، والطموح إلى إنجازات تخدم الوطن والإنسان”.
محطة جديدة في تطوير الإدارة المحلية
من جهته، قال محمد آل طفيل، الخبير والمستشار في الإعلام والاتصال المؤسسي: “يمثل صدور الأمر السامي بالموافقة على تعيين أعضاء مجالس مناطق المملكة الثلاث عشرة في دورتها الثامنة، لمدة أربع سنوات، محطة جديدة في مسار تطوير الإدارة المحلية، بما يعكس استمرار النهج الذي تتبناه المملكة في تعزيز كفاءة العمل التنموي، وتوسيع دائرة المشاركة في صناعة القرار على مستوى المناطق، وربط الخطط الوطنية بمتطلبات التنمية الميدانية”.
ويؤكد آل طفيل أن هذه التعيينات تأتي في مرحلة تشهد فيها المملكة تحولاً تنموياً غير مسبوق، أصبحت فيه المناطق شريكاً رئيساً في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، من خلال استثمار الميزة التنافسية، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل مجالس المناطق إحدى أهم منصات التنسيق والتكامل بين الجهات الحكومية والمجتمع المحلي. ويشير إلى أنه يُنتظر أن تضطلع المجالس خلال دورتها الجديدة بدور أكثر فاعلية في قراءة الاحتياجات التنموية للمناطق، وتحويلها إلى أولويات قابلة للتنفيذ، مع متابعة المشروعات الحكومية وقياس أثرها، واقتراح الحلول للتحديات التي قد تعيق التنفيذ، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء الحكومي وتسريع وتيرة الإنجاز.
ويضيف آل طفيل: “كما تمثل المجالس نقطة اتصال لنقل تطلعات المواطنين والقطاع الخاص إلى صناع القرار، الأمر الذي يعزز جودة التخطيط التنموي، ويجعل البرامج والمبادرات أكثر ارتباطاً بالاحتياجات الفعلية لكل منطقة، في ظل ما تتميز به مناطق المملكة من تنوع اقتصادي وجغرافي وثقافي يفرض حلولاً تنموية تتناسب مع خصوصية كل منها”. ويرى أن إعادة الهيكلة وتعيين أعضاء جدد بخبرات متنوعة سيعزز من جودة النقاشات الاستراتيجية داخل المجالس، ويرفع مستوى التكامل بين الجهات التنفيذية، ويُسهم في بناء قرارات أكثر دقة تستند إلى المعرفة المحلية، بما يدعم كفاءة تخصيص الموارد ويرفع من الأثر التنموي للمشروعات الحكومية.
ويوضح آل طفيل أن أهمية الدورة الثامنة تتجاوز الجانب الإداري، إذ ترتبط بصورة مباشرة بمستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنمية جميع المناطق بصورة متوازنة، وتعزيز اللامركزية، وتمكين المناطق من استثمار مقوماتها الاقتصادية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتحسين جودة الحياة، بما ينعكس على تنافسية الاقتصاد الوطني واستدامة التنمية. وختم بالتأكيد على أنه في ظل التحولات التي تشهدها المملكة، يُنتظر أن تؤدي مجالس المناطق دوراً أكبر في استشراف الفرص التنموية، وتحفيز المبادرات النوعية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص والقطاع غير الربحي، ما يجعلها رافداً مؤسسياً يسهم في تحويل السياسات الوطنية إلى نتائج ملموسة على مستوى المدن والمحافظات، مشدداً على أن التنمية المحلية أصبحت أحد المحركات الرئيسة لمسيرة التنمية الوطنية، وأن نجاحها لم يعد يقاس بعدد المشروعات المنفذة فحسب، بل يقاس اليوم بقدرتها على صناعة أثر اقتصادي واجتماعي مستدام، ينعكس على حياة المواطن، ويعزز مكانة مناطق المملكة باعتبارها محركات تنموية فاعلة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.



