الرئيسيةمحلياتقصر المربع.. من مقر حكم المؤسس...
محليات

قصر المربع.. من مقر حكم المؤسس إلى متحف وطني شاهد على مسيرة التوحيد

مع تزايد مساحة الدولة السعودية وتوحيد مناطقها وتوسع نشاطاتها وازدياد عدد أفراد أسرة الملك عبد العزيز -رحمه الله- في أوائل الخمسينات الهجرية، أصبح من الضروري إعادة النظر في القصر الذي يسكنه الملك داخل أسوار مدينة الرياض، إذ باتت الحاجة ملحة إلى مقر جديد يلبي متطلبات الحكم والإدارة الحديثة ويستوعب الأعداد المتزايدة من الأسرة والضيوف والوفود.

موقع القصر وتسميته

بناءً على ذلك، أصدر الملك عبد العزيز في عام 1355هـ أمره بالبدء في إنشاء مجمع قصر خارج أسوار مدينة الرياض، حيث تم تشييده في منطقة تبعد نحو كيلومترين شمالاً عن مدينة الرياض القديمة، على أرض كانت تعرف بمربع آل سفيان. كانت تلك الأرض مستوية وخصبة، تُزرع في مواسم الأمطار، وتحيط بها بساتين الفوطة من الجنوب، ووادي البطحاء من الشرق، ووادي أبو رفيع من الغرب، بالإضافة إلى بعض التلال والمرتفعات البسيطة من الشمال. وترد روايتان حول تسميته بقصر المربع: الأولى ترجع إلى بنائه في مربع آل سفيان، والثانية بسبب تشييده على هيئة بناء مربع أو مستطيل، وكذلك أبراجه المربعة التي توزعت على سوره بمسافات متساوية.

مراحل البناء والمواد المستخدمة

أُسندت مهمة الإشراف على بناء القصر إلى أحد البنائين المهرة في ذلك الوقت، وهو المواطن حمد القباع، بمساعدة نحو ألف عامل جلبوا من مختلف أنحاء المملكة. استغرق بناء القصر وملحقاته قرابة ثلاث سنوات، ليُكتمل بناؤه رسمياً في أواخر سنة 1357هـ، ثم انتقل إليه الملك عبد العزيز وأفراد أسرته في سنة 1358هـ، تاركاً سكنه القديم في مجمع قصر الحكم ليصبح مقراً للدوائر الحكومية والتشريفات الملكية وقصراً للضيافة والمستودعات والأجهزة الأمنية والحكومية الأخرى. تميز البناء باستخدام المواد المحلية مثل اللبن والطين والحجارة وجذوع النخيل، مما عكس بساطة العمارة وتأقلمها مع البيئة آنذاك. وقد كان من الأسباب الرئيسية لبناء القصر الزيادة الكبيرة في عدد الضيوف والزوار الرسميين وغيرهم التي صاحبت توحيد البلاد واستقرارها. وكان الملك المؤسس معجباً وفخوراً بهذا القصر، إذ كان يأخذ زواره الأجانب لمشاهدته والتجول بين أرجائه، معتبراً إياه إنجازاً يدل على البراعة في العمارة المحلية. فهو مجمع سكني ضخم يمثل ظاهرة جديدة في البناء، حيث تم تخطيطه بشكل متناسق ومنتظم، مخالفاً لنمط التخطيط المتبع في المباني النجدية التقليدية. وعلى الرغم من تكلفته القليلة مقارنة بمقاييس الوقت الحاضر، إلا أنه أنجز في انسجام مع القدرات التقنية المحلية المتاحة والسائدة.

مقر القرارات المصيرية ومجالس التاريخ

كان مكتب المؤسس في الدور العلوي مركزاً لاتخاذ القرارات المصيرية، حيث صدرت منه الأوامر الملكية، وتلقى التقارير اليومية من مختلف مناطق المملكة، وتابع مشاريع التنمية الأولى كتعليم الأفراد، وبناء المستشفيات، وتطوير البنية التحتية، وتنظيم برامج توطين البادية. وفي مجالس القصر، استقبل الملك عبد العزيز الملوك والرؤساء والسفراء والرحالة الأجانب. ورغم بساطة البناء المصنوع من اللبن والطين، إلا أن هيبة الملك وحكمته تركت انطباعاً عميقاً لدى كل من زار القصر. وشهدت هذه المجالس توقيع اتفاقيات تاريخية كبرى، لا سيما تلك المتعلقة بامتيازات التنقيب عن النفط، والتي نقلت المملكة إلى عصر جديد من التغير الحضاري والازدهار الاقتصادي. ولم يكن قصر المربع مجرد بناء تقليدي، بل كان أول موقع في الرياض يشهد دخول وسائل التقنية والرفاهية الحديثة، فكان من أول المباني التي أُدخلت إليها الكهرباء عبر مولدات خاصة، كما أنشئ فيه أول مصعد كهربائي في الرياض لراحة الملك عبد العزيز في سنواته الأخيرة، وضم القصر شبكة اتصالات هاتفية وبرقية ربطت المقر ببقية المناطق، مما أتاح متابعة سريعة للأحداث ومجريات أمور الدولة.

تحول القصر إلى متحف ورمز وطني

بعد وفاة الملك عبد العزيز رحمه الله عام 1373هـ، تحول قصر المربع من مقر للحكم إلى رمز وطني خلد سيرة التأسيس. وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله-، أُعيد ترميم القصر بعناية فائقة، وضُمّ إلى مركز الملك عبد العزيز التاريخي، ليصبح متحفاً وشاهداً حياً يفتح أبوابه للزوار والسياح. وعند زيارة القصر اليوم، يستطيع الزائر مشاهدة مقتنيات الملك الشخصية، ومكتبه الرسمي، وسيارته الشهيرة، والوثائق التاريخية التي تعبر عن مرحلة قيام الدولة. ونظراً لمكانة القصر التاريخية وقيمته الأثرية وسماته الوطنية، قامت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بالمحافظة على المباني التراثية في الموقع، وفي مقدمتها قصر المربع، وفق المنهج المتعارف عليه عالمياً. فأعيد ترميم القصر وأصلحت الأجزاء المتداعية منه بمواد وطرق حديثة، مع مراعاة محاكاة النمط التقليدي الذي أنشئ عليه، كما تم ترميم أجزاء من السور القديم وبعض أبراجه على النمط نفسه، وأجريت إصلاحات على الجامع بما يتلاءم مع صفته الروحية ويحافظ على سماته المعمارية ويربطه بالمنشآت المحيطة به، والمعروف الآن بمركز الملك عبد العزيز التاريخي، والذي أصبح معلماً بارزاً من معالم التراث والتاريخ والحضارة والثقافة في مدينة الرياض. إن قصر المربع يمثل الآن أهم المعالم التاريخية والأثرية في مركز الملك عبد العزيز التاريخي، ومن خلاله يتصور الزائر نمط الحياة في القصر عندما كان في أوج مجده، مواكباً لأهم الأحداث التي رافقت نشوء المملكة العربية السعودية وتوحيدها وبنائها ونهضتها، ليكون رمزاً خالداً للأجيال الحاضرة واللاحقة لاستلهام معاني الجد والعمل والصبر والسعي نحو الحفاظ على كيان هذه المملكة السعيدة حاضراً ومستقبلاً بعون الله.