الرئيسيةمحلياتتحولات شاملة في الدولة والمجتمع السعودي...
محليات

تحولات شاملة في الدولة والمجتمع السعودي بقيادة ولي العهد

تجديد الهوية الوطنية، الذي يشكل جوهر فكر ومشروع الأمير محمد بن سلمان، ليس سوى المدخل الأول لمبادرة شاملة تعيد تشكيل الدولة والمجتمع والإنسان والمستقبل السعودي في آن واحد. تبرز هذه السمة كأمر نادر في برامج التحول الكبرى، حيث اعتادت خطط الإصلاح أن تتعامل مع الاقتصاد بشكل منفصل عن الثقافة، والإدارة منفصلة عن المجتمع، والحاضر دون إعادة النظر في سرديات الماضي أو صورة المستقبل. أما المشروع السعودي الجديد، فيتحرك كرؤية متكاملة، لأن الدولة لا تتغير حقيقياً إذا بقي مجتمعها خارج دائرة التحول، والمجتمع لا ينهض إذا ظل الفرد أسيراً للخوف من الجديد، والمستقبل لا يبنى إذا بقي الحاضر محكوماً بأدوات الماضي.

جبهات العمل وفق البعد الزمني

من الصعب حصر الجبهات التي يعمل عليها ولي العهد من أجل وطنه، إلا إذا تم وصفها بالبعد الزمني بمفهومه الفلسفي. فهو يعمل على جبهة الماضي، ليس لمعاداته أو هدمه، بل لاستعادته من الاختزال، وتصحيح سردياته، وتنقيح ذاكرته، وربط حاضر الدولة بجذورها العميقة. على سبيل المثال، جاء يوم التأسيس ليعيد الوعي بالدولة السعودية إلى امتدادها التاريخي الصحيح، وهو جزء صغير من كل أكبر، تقف خلفه فلسفة تقول: إن الأمة التي لا تملك روايتها عن نفسها، سيكتب الآخرون لها رواية لا تشبهها.

كما يعمل على جبهة المستقبل من خلال رؤية السعودية 2030، التي تجاوزت البرنامج الاقتصادي إلى إعادة تنظيم علاقة السعوديين بالزمن. فقد نقلت الرؤية المستقبل من منطقة الانتظار والتمني إلى مجال التخطيط والقياس والمساءلة، فأصبح له تاريخ مستهدف، ومؤشرات أداء، ومشروعات، ومؤسسات، ووجوه بشرية مسؤولة عنه. وبهذا، لم يعد النفط أو المال وحدهما ضمانة المستقبل، بل أصبح الإنسان والمعرفة والتقنية والكفاءة وتنوع الاقتصاد هي روافعه الأساسية، وهذه نقلة في العقل والذهنية السعودية قبل أن تكون نقلة في الأرقام.

إعادة هندسة الدولة والمجتمع

جبهة الحاضر هي الأوسع والأشد ازدحاماً، لأنها موضع مقاومة العادات القديمة، ومصالح البيروقراطية، وثقل المألوف، والخشية الاجتماعية من التحول. فيها أعيدت هندسة مؤسسات الدولة وهيكلتها، وارتفعت كفاءة الحكومة، واتسعت مشاركة المرأة، واستثمر الشباب، وطهرت بؤر الفساد، وشرعت أبواب الثقافة والفنون والترفيه والسياحة والرياضة على مصراعيها، وتغيرت نوعية المدن والخدمات وجودة الحياة. الجامع بين هذه المسارات ليس مجرد التحديث، بل إعادة تعريف وظيفة الدولة: من جهاز يدير المتاح إلى جهاز يصنع المستحيل.

لقد غير الأمير محمد بن سلمان في الدولة تصورها عن قدرتها وحدود فعلها، ونقلها من الاطمئنان إلى ما تملكه إلى القلق المنتج بشأن ما ينبغي أن تصنعه، ومن إدارة الوفرة إلى صناعة القوة، ومن بطء الإجراء إلى ثقافة الإنجاز. وأعاد للقرار السياسي معناه كأداة لتشكيل المستقبل، لا مجرد استجابة لما يفرضه الواقع. الدولة لم تتخل عن ثوابتها، وإنما جعلت الثبات في الغايات مصحوباً بالمرونة والشجاعة في استخدام الوسائل.

كما غير في المجتمع منظومة التقدير الاجتماعي، وأعاد ترتيبها، فلم يعد الانغلاق فضيلة في ذاته، ولا مقاومة الجديد برهاناً على الأصالة، ولا تعطيل الحياة العامة مرادفاً للاستقامة. فأخذ المجتمع يسترد طبيعته السعودية المتوازنة: متديناً بلا اختطاف، معتزاً بموروثه بلا انغلاق، منفتحاً على العالم بلا ذوبان. كما انتقل التنوع من حقيقة مسكوت عنها إلى مورد وطني ظاهر، فالمناطق واللهجات والفنون والأزياء والمطابخ المحلية لم تعد هوامش في الحكاية، بل صارت أجزاء أصيلة من متن السعودية الكبير.

تمكين الفرد وإعادة تعريف الممكن

التحول الأبعد أثراً هو ما غير في الفرد السعودي؛ إذ رفع سقف توقع السعودي من نفسه، لا من دولته وحدها. كان جزء من الوعي الاجتماعي القديم ينظر إلى الدولة كفاعل كامل، وإلى الفرد كمتلقٍ ينتظر فرصته ونصيبه. أما اليوم، فقد دخلت مفردات المبادرة والريادة والكفاءة والمنافسة وصناعة الفرص إلى صميم الوعي العام، ولم يعد السؤال: ماذا ستقدم لنا الدولة؟ بل أضيف إليه سؤال أكثر نضجاً: ماذا نستطيع أن نقدم لوطن يصعد، ويطلب من أبنائه أن يصعدوا معه؟

أعمق من ذلك كله أن الأمير غير أفق الممكن في المخيال السعودي: مشروعات وأفكار كانت تبدو بعيدة أو مؤجلة أو مستحيلة، أصبحت اليوم موضوعاً للنقاش ثم التخطيط ثم التنفيذ. وحينما يتغير تعريف الممكن تتغير معه إرادة الإنسان، ومعايير المجتمع، وطموحات الدولة. فالتحولات الكبرى لا تبدأ حينما تشيد المباني أو تصدر الأنظمة وحدها، بل تبدأ حين يتوقف الناس عن النظر إلى واقعهم كقدر نهائي لا يراجع.

لقد غير الأمير فينا علاقتنا بتاريخنا، فأصبح مصدر ثقة لا قيداً على الحركة؛ وغير علاقتنا بحاضرنا، فأصبح ميدان عمل لا زمناً للانتظار؛ وغير علاقتنا بمستقبلنا، فأصبح مشروعاً نشارك في بنائه لا مجهولاً نترقبه. بين هذه الأزمنة الثلاثة يعاد بناء السعودي: أوثق صلةً بهويته، وأعلى ثقةً بدولته، وأشد إحساساً بمسؤوليته، وأكثر جرأةً على الحلم والعمل.

خلاصة مشروع محمد بن سلمان – أمير الحلم السعودي – والتي تجيب بعمق عن سؤال المرحلة والراهن السعودي: ماذا غير فينا سموه؟ هي أنه أيقظ فينا القدرة على التغير، وجعلنا نرى السعودية كما ينبغي لها أن تكون.