ترمب وإيران: هل يكتمل النصر أم تُصبح التسوية غموضًا متشابكًا؟

ليس الجدل الأمريكي حول الصراع مع إيران مجرد خلاف حزبي بين البيت الأبيض وخصومه الديمقراطيين، ولا انقسام جمهوري بين صقور تخشى «صفقة سيئة» ورئيس يطمح لتسويق انتصار. إنما هو صراع أساسي على تعريف نتيجة الأزمة.
ما هو تعريف النصر في ظل المفاوضات؟
هل يكفي أن يمنع ترمب إيران من امتلاك سلاح نووي ويفتح مضيق هرمز ليعلن النصر، أم أن أي إفراج عن أموال مجمدة أو قبول بدور إيراني في أمن المضيق سيُستغل لاحقًا لتصوير الاتفاق على أنه هزيمة سياسية مؤجلة؟
الخطاب المتباين والواقع المعقّد
يتغذى خطاب المعارضين من فجوة واضحة بين لغة ترمب الواثقة، التي تتحدث عن اتفاق «عظيم وذي معنى» أو «لا اتفاق»، وبين واقع تفاوضي شديد التعقيد لا تزال فيه قضايا هرمز واليورانيوم والعقوبات ولبنان عالقة على طاولة الوسطاء.
أحدثت آخر التسريبات والتقارير مزيدًا من الالتباس بدلًا من تبديده. فقد نقلت «رويترز» عن التلفزيون الإيراني أن مسودة إطار أولية تتحدث عن إعادة حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي وانسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران، مع إدارة إيرانية‑عمانية لحركة السفن التجارية. وتحدد المسودة، في حال اكتمل الاتفاق خلال ستين يومًا، تحويله لاحقًا إلى صيغة ملزمة في مجلس الأمن.
لكن البيت الأبيض نفى صحة تقرير التلفزيون الإيراني، موضحًا أن مذكرة التفاهم المشار إليها «مختلقة بالكامل». وفي المقابل، تؤكد تقارير أمريكية أن الملاحة في هرمز لا تزال شديدة التقييد، وأن استعادة الثقة التجارية قد تستغرق أشهرًا، حتى لو صدر إعلان سياسي قريب.
هل خسر ترمب الحرب؟
يصوّر خصوم ترمب الصراع على أنه خسارة محتملة، لأنهم يقيسون نتائجه لا بما دمرته الضربات الأمريكية‑الإسرائيلية من قدرات إيرانية، بل بما قد تحصل عليه طهران على طاولة المفاوضات. فإذا انتهت الحرب بالإفراج عن مليارات الدولارات أو بتخفيف العقوبات أو باعتراف عملي بدور إيراني في تنظيم المرور عبر مضيق هرمز، فإن منتقديه سيقولون إن إيران انتزعت ثمناً سياسياً واقتصادياً من واشنطن، بعدما عجزت الأخيرة عن فرض استسلام واضح.
هذا هو جوهر المخاوف التي عبّر عنها بعض الجمهوريين، بينهم السيناتور تيد كروز، من سيناريو تحصل فيه إيران على أموال وتحتفظ بهامش تخصيب ونفوذ في المضيق. إلا أن هذه القراءة تبسط المشهد. فإيران لا تدخل المفاوضات من موقع مريح؛ فهي تريد الأموال المجمدة، وتسعى لاستعادة الوصول إلى أسواق النفط، وتحتاج إلى تخفيف الضغط عن اقتصاد تعرض للحصار والضربات والتوتر الداخلي.
وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن طهران تسعى إلى هدفين متلازمين: إنقاذ اقتصادي دون منح ترمب نصرًا واضحًا، والتركيز على جزء من أصول مجمدة قد تصل إلى مئة مليار دولار، مع بحث إفراج مبكر عن نحو اثني عشر مليارًا من أصل أربعة وعشرين مليارًا مطروحة في مرحلة أولى.
مذكرة التفاهم: إنجاز أم فخ؟
يعكس التوصل إلى مذكرة تفاهم، لا إلى اتفاق شامل، حدود الممكن حاليًا. فالمذكرة قد توقف إطلاق النار وتفتح مضيق هرمز وتؤجل الملفات الأثقل، لكنها لا تحلها نهائيًا. لذلك تبدو «ورقة التفاهم» جسرًا هشًا بين الحرب والاتفاق: ضرورية لتخفيف التصعيد، لكنها قابلة للتحول إلى ساحة ابتزاز متبادل.
يختصر باراك بارفي، الباحث في «نيو أميركا»، في حديثه مع «الشرق الأوسط» المعضلة التفاوضية بالقول إن التفاوض مع الإيرانيين «يشبه شراء سجادة في البازار»، إذ يظهر مطلب جديد عند كل منعطف، وكأن مسائل سبق حلها تعود إلى نقطة الصفر.
ويضيف أن نزعة ترمب إلى إعلان تطورات لا تطابق دائمًا الواقع تجبر المراقبين على محاولة استنتاج الحالة الفعلية للمفاوضات، فيما يجعل تعدد الأصوات داخل إيران صعبًا لتحديد من يقرر وماذا يريد فعلاً. ولذلك يرى بارفي أن مجرد الوصول إلى أي مذكرة تفاهم هو «مهمة هرقلية وبيزنطية» تتطلب جهداً استثنائيًا.
ما هي رهانات إيران؟
بحسب محللين، تراهن طهران على ثلاثة عوامل: الزمن، والأسعار، والتعدد الداخلي الأمريكي. فإطالة التفاوض تبقي مضيق هرمز ورقة ضغط، وتذبذب أسعار الطاقة يضع البيت الأبيض تحت ضغط الناخبين، والانقسام بين الديمقراطيين والجمهوريين الصقور يمنحها أملاً في انتزاع شروط أفضل.
وقد عكست تقارير السوق حساسية هذا العامل؛ إذ تراجعت أسعار النفط بعدما خفّض «الحرس الثوري» الإيراني احتمال تجدد الحرب، حيث هبط خام برنت إلى نحو تسعة واثنين وعشرين سنتًا، مما يؤكد أن مجرد إشارة تفاوضية قادرة على تحريك الاقتصاد والسياسة معًا.
لكن هذا الرهان ليس مضمونًا، لأن ترمب ليس بلا أدوات داخلية. صحيح أن أسعار الوقود والانتخابات النصفية قد تضغط عليه، لكنه يستطيع استخدام إجراءات تنفيذية وحوافز مالية وضريبية لتخفيف العبء على الأمريكيين، على غرار الأدوات الواسعة التي استُخدمت خلال جائحة «كوفيد‑19». لذا يبقى افتراض أن الضغط المعيشي سيجبره حتماً على تقديم تنازلات مؤلمة لإيران مبالغًا فيه.
كما أن إيران ليست في موقع «الضحية» إقليميًا أو دوليًا. علاقاتها مأزومة مع جيرانها، وحلفاؤها لا يبدون استعدادًا لدفع أثمان كبرى عنها.
ويقول مايكل سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن، إن الصين لا تبدو قوة بديلة قادرة على حل محل واشنطن في الشرق الأوسط؛ فهي تؤمن مصالحها، وتشتري النفط، وتنتقد أمريكا، لكنها لا تحمي المشاعات العالمية ولا تنقذ شركاءها من الصواريخ الإيرانية. ويرى سينغ أن إيران ليست «سويس» أمريكية، وأن بكين لا تقف جاهزة لوراثة النفوذ الأمريكي، بل تظهر كقوة إقليمية طامحة أكثر من كونها قوة عالمية قادرة على تحمل أعباء النظام الدولي.
هرمز واليورانيوم: نقاط ضغط أساسية
يمثل مضيق هرمز أصل الضغط الإيراني ومصدر الخطر على أي اتفاق. فواشنطن تريد فتحه «بطريقة أو بأخرى»، كما قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بعد ضربات أمريكية استهدفت زوارق إيرانية اتُهمت بمحاولة زرع ألغام ومواقع إطلاق قرب المضيق.
لكن قبول صيغة تمنح إيران حق إدارة المرور أو تسمح لها بفرض «رسوم» أو إذونات عبور سيشكل سابقة خطيرة. لذا يرى منتقدو الصفقة أن طهران قد تخسر الحرب العسكرية، لكنها تكسب نظامًا جديدًا في هرمز.
أما الملف النووي، فيحمل تعقيدًا أشد. فترمب يكرر أن إيران «لن تمتلك سلاحًا نوويًا»، لكن التفاصيل هي كل شيء: هل ستسلم طهران اليورانيوم عالي التخصيب؟ هل يُدمّر داخل إيران؟ أم يُنقل إلى دولة ثالثة مثل روسيا أو كازاخستان؟ تقارير حديثة تحدثت عن استعداد كازاخستان للمساعدة إذا وُجد اتفاق دولي مناسب، بينما ظل جوهر الخلاف متعلقًا بالتفتيش والضمانات والجدول الزمني.
لبنان والجبهات المتصلة
المشكلة أن الاتفاق مع إيران لا يدور في غرفة مغلقة. وفقًا لباراك بارفي، فإن لبنان وغزة والبحر الأحمر والخليج العربي كلها جبهات متداخلة. في لبنان، تراجعت الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله» وسط تصعيد إسرائيلي واشتباكات واتهامات بأن الحزب يراهن على نتائج التفاوض الأمريكي‑الإيراني. وهذا يعني أن طهران قد تحاول استخدام الجبهات الحليفة كرَقة تفاوضية، بينما تريد واشنطن فصل المسارات لتجنب أن يتحول أي اتفاق نووي أو بحري إلى مظلة لاستنزاف إسرائيل أو الخليج.
لذلك لا تبدو إيران قادرة، حتى إذا حصلت على بعض الأموال، على العودة بسهولة إلى وضع التهديد المفتوح للمنطقة. فقد تعرضت قدراتها لضربات، وشرعيتها الإقليمية محدودة، كما أن روسيا والصين لا توفران لها غطاءً كافيًا.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في اتفاق غامض يسمح لها بادعاء الانتصار داخليًا، واستثمار الأموال في ترميم أدوات الضغط، من الصواريخ إلى الوكلاء. يرى البعض أن إيران لم تكسب الحرب، لكنها تحاول منع ترمب من احتكار صورة النصر. أما ترمب، فلم يخسرها، لكنه يواجه اختبارًا أصعب من الضربات العسكرية: أن يصوغ اتفاقًا يمنع النووي، ويفتح هرمز، ولا يحوّل الهدنة إلى مكافأة استراتيجية لطهران. وبين هذين الحدين تدور المعركة الفعلية الآن: ليست على من يعلن النصر أولًا، بل على من يكتب شروطه الأخيرة.



