الرئيسيةعربي و عالميالوجاهة الاجتماعية بالإيجار: كيف تُصنّع صورة...
عربي و عالمي

الوجاهة الاجتماعية بالإيجار: كيف تُصنّع صورة الثراء على المنصات الرقمية

مع تزايد ثقافة الاستعراض على الإنترنت، ظهرت ظاهرة تُعرف بـ«الوجاهة الاجتماعية بالإيجار». يقوم فيها بعض الأفراد باستئجار سيارات فاخرة، ارتداء ساعات ثمينة، حمل حقائب من ماركات عالمية، وحتى استئجار مواقع تصوير راقية أو طائرات خاصة، لإنتاج محتوى يوحي بحياة مترفة لا تعكس بالضرورة واقعهم الحقيقي.

الدوافع والاقتصاد المتعلق بالظاهرة

يركّز كثير من المشاركين في هذه الظاهرة على إظهار نمط حياة فخم لأسباب استراتيجية ونفسية وتسويقية متعددة، ساعين إلى وضع أنفسهم داخل ما يُسمى «اقتصاد المبدعين». وتشير التقديرات إلى أن حجم هذا الاقتصاد قد تجاوز مئة مليار دولار.

امتداد الظاهرة إلى شرائح أوسع

يُشير المختصون في الشأن الأسري إلى أن هذه الممارسة لم تعد محصورة على مشاهير الإنترنت أو صانعي المحتوى، بل بدأت تتسع تدريجياً لتشمل فئات مختلفة من الشباب. تدفع الرغبة في بناء صورة مثالية أمام الجمهور الرقمي الكثيرين إلى التقاط صور أمام سيارات رياضية أو داخل مقاهي فاخرة، لتقديم مظهر يُعطي انطباعاً بالنجاح والثراء، حتى وإن كانت هذه المشاهد مؤقتة وتنتهي بانتهاء جلسة التصوير.

وتؤكد الدراسات أن منصات التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل مفهوم المكانة الاجتماعية، حيث تُقاس القيمة الآن بما يُعرض بصرياً أكثر من الإنجازات الواقعية أو الاستقرار المالي.

التحول النفسي والاجتماعي

يُوضح المختص الاجتماعي عبدالرحمن الحارث أن «الوجاهة الاجتماعية بالإيجار» تعكس تحولاً واضحاً في نظرة بعض الأفراد إلى ذواتهم ومكانتهم داخل المجتمع. ويضيف أن «المنصات الرقمية خلقت بيئة تعتمد على الانطباعات السريعة والمظاهر البصرية»، مشيراً إلى أن بعض الشباب يربطون قيمتهم الشخصية بحجم التفاعل الذي يحصلون عليه، ما يدفعهم أحياناً إلى بناء صورة تختلف عن واقعهم بهدف الحصول على القبول الاجتماعي والشعور بالتقدير.

ويُبرز الحارث أن المشكلة لا تكمن في استئجار الكماليات بحد ذاته، بل في تحويل هذا السلوك إلى وسيلة لبناء هوية اجتماعية ترتكز على المظاهر فقط، ما قد يولد ضغوطاً نفسية واستنزافاً مالياً مع مرور الوقت. ويؤكد أن «المقارنات اليومية التي تفرضها المنصات الرقمية تجعل البعض يشعر أن حياته أقل قيمة من الآخرين، فيلجأ إلى تقليد نمط الحياة الفاخر، ولو بصورة مؤقتة ومصطنعة».

التأثير النفسي المستمر

من جانب آخر، يرى مختصون نفسيون أن التعرض المستمر لمحتوى الرفاهية على وسائل التواصل يخلق حالة من «المقارنة الدائمة». فالمستخدم يواجه يومياً صوراً توحي بحياة مثالية مليئة بالسفر والنجاح المادي. ومع تكرار هذه المشاهد، يبدأ بعض الأفراد في محاولة محاكاة تلك الصورة بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن كان ذلك عبر استئجار المظاهر لساعات محدودة.

ويُشير هؤلاء إلى أن هذا السلوك قد يتحول إلى احتياج نفسي للقبول والانتماء، خصوصاً لدى فئة الشباب والمراهقين الذين يتأثرون بآراء وتعليقات الآخرين. كما يُلاحظ أن بعض الأشخاص يدخلون في سباق غير معلن للحفاظ على صورة مثالية باستمرار، ما يولد ضغوطاً نفسية قد تُؤثر على الرضا الشخصي والثقة بالنفس.

الاستثمار التجاري في الظاهرة

يُوضح محمد القحطاني، موظف في القطاع الخاص، أن «بعض المشاريع التجارية بدأت تستثمر هذا التوجه بشكل مباشر، من خلال توفير خدمات مخصصة لتأجير السيارات الرياضية، الساعات الفاخرة، الحقائب العالمية، وحتى الطائرات الخاصة، لأغراض التصوير وصناعة المحتوى فقط». ويضيف أن هذه الخدمات تُسوق كوسيلة لبناء صورة رقمية فاخرة وتعزيز الحضور على منصات التواصل.

يُشير القحطاني إلى أن انتشار هذه الخدمات يُبرز حجم التأثير الذي تُمارسه المنصات الرقمية على سلوك الأفراد، موضحاً أن كثيراً من الناس أصبحوا يهتمون بكيفية ظهورهم أمام الآخرين أكثر من الاهتمام بالواقع الحقيقي لحياتهم.

شهادات شخصية وتجارب واقعية

يروي فيصل سيف تجربته حيث استأجر سيارة فارهة ليوم واحد لتصوير محتوى لحسابه الشخصي. وأوضح أن الهدف لم يكن خداع المتابعين بقدر ما كان محاولة لمجاراة المشهد العام الذي يفرضه عالم المؤثرين، حيث أصبحت الصور الفاخرة جزءاً من معايير النجاح والحضور الرقمي.

ويضيف أن «كثيراً من المستخدمين يشعرون بأن المحتوى العادي لم يعد يجذب الانتباه كما في السابق، ما يدفع البعض إلى البحث عن طرق مختلفة لصناعة صورة أكثر فخامة، حتى وإن كانت مؤقتة أو غير واقعية».

في المقابل، تُشير هالة محمد إلى أن الكثير من الحسابات التي توحي بثراء أصحابها تعتمد على زوايا تصوير مدروسة وانتقاء لحظات معينة لتصوير انطباع مثالي أمام الجمهور. وتُؤكد أن بعض المتابعين يصدقون كل ما يُعرض على المنصات الرقمية دون إدراك أن جزءاً كبيراً من هذا المحتوى يُرتب بعناية لإظهار حياة أكثر رفاهية مما هي عليه في الواقع.

وتُضيف أن «المشكلة لا تتعلق بالمظاهر فقط، بل بالتأثير النفسي الذي قد ينعكس على المتابعين، خصوصاً عندما يقارن الأشخاص حياتهم اليومية الطبيعية بما يرونه من صور تبدو مثالية ومستقرة ومليئة بالرفاهية».

العبء المالي والاجتماعي

حذر اقتصاديون من أن تتحول هذه المظاهر إلى عبء مالي واجتماعي، خاصة عندما يحاول بعض الأفراد مجاراة أنماط استهلاكية لا تتناسب مع دخلهم الحقيقي. وأشاروا إلى أن الرغبة المستمرة في الحفاظ على صورة اجتماعية معينة قد تدفع البعض إلى الاقتراض أو الإنفاق المبالغ فيه فقط من أجل الظهور بمظهر أكثر ثراءً أمام الآخرين.

وأكدوا أن استئجار الكماليات بحد ذاته لا يُعد سلوكاً سلبياً، لكنه يصبح مصدر قلق عندما يتحول إلى معيار لتقييم القيمة الاجتماعية أو أداة للبحث عن القبول والإعجاب الرقمي. ويرى المختصون أن خطورة الظاهرة تكمن في تأثيرها على وعي المراهقين والشباب، الذين قد يربطون النجاح الحقيقي بالمظاهر فقط متجاهلين أهمية الاستقرار النفسي والإنجاز الواقعي.

الصورة كمحدد للمكانة

يُؤكد صانع المحتوى كريم عبدالطيف أن «الوجاهة الاجتماعية بالإيجار لم تعد مجرد سلوك استهلاكي عابر، بل أصبحت انعكاساً لعصر تتحكم فيه الصورة بالمكانة الاجتماعية». ويضيف أن كثيراً من الأشخاص أدركوا أن الانطباع الأول على الإنترنت قد يصنع شهرة أو يمنح حضوراً أكبر، لذا يسعى البعض إلى بناء صورة مثالية حتى وإن كانت مستأجرة لساعات محدودة.

ويشير إلى أن «التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في امتلاك المظاهر الفاخرة، بل في قدرة الأفراد على التمييز بين الحياة الواقعية والصورة المصنوعة بعناية على منصات التواصل الاجتماعي». ويختتم بالقول إن «كثيراً مما يُعرض أمام الجمهور لا يعكس دائماً الحقيقة الكاملة وراء الكاميرا».