غرينلاند تعود إلى صدارة المشهد الدبلوماسي بين واشنطن وبروكسل

تجددت حدة المنافسة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على جزيرة غرينلاند، التي تُعدّ الأكبر والأغنى في العالم من حيث الموارد الطبيعية والمعادن النادرة. تأتي هذه التطورات في ظل تقارير أعدتها هيئة الدراسات الاستراتيجية في الاتحاد الأوروبي، والتي قُدمت إلى المفوضية الأوروبية والمجلس في أواخر الشهر الماضي، مما دفع الدبلوماسية الأوروبية إلى تعزيز تعاونها مع الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك.
التحرك الأوروبي المتسارع
أعلنت أوروبا عن خطواتها الأخيرة التي تشمل زيارة مفوض الشراكات الدولية، جوزيف سيكيلا، إلى غرينلاند للمشاركة في منتدى دولي تنظمه الدنمارك بالتعاون مع المفوضية الأوروبية، يهدف إلى استعراض فرص الاستثمار الكبرى في الجزيرة. وتزامنت هذه الزيارة مع وصول الموفد الأمريكي الخاص، جيف لاندري، وافتتاح قنصلية أمريكية جديدة على الأرض.
في سياق مماثل، قرر الاتحاد الأوروبي مضاعفة مساعداته المالية إلى غرينلاند، لتصبح الآن نصف إجمالي المساعدات الموجهة إلى الأراضي التابعة للاتحاد الأوروبي خارج حدودها القارية. وأعرب المسؤولون عن استعدادهم لتخصيص موارد مالية إضافية كرد سياسي على تهديدات الإدارة الأمريكية بالاستحواذ على الجزيرة.
المطالب الأمريكية على الأرض
تجري الولايات المتحدة مفاوضات مع الحكومة المحلية الدنماركية بشأن إنشاء ثلاثة قواعد عسكرية جديدة في غرينلاند، إضافة إلى القاعدة القائمة منذ بداية الحرب الباردة. وتطالب واشنطن بسيادة كاملة على الأراضي التي ستُبنى عليها القواعد، إضافة إلى حق الفيتو على الاستثمارات الصينية والروسية في المنطقة، فضلاً عن طلب معاملة تفضيلية في استغلال الموارد الطبيعية للجزيرة.
توقعات تصعيد الصراع الأوروبي الأمريكي
يعرب المسؤولون الأوروبيون عن مخاوفهم من أن يتحول ملف غرينلاند إلى أحد أكثر القضايا توتراً في العلاقات مع واشنطن. فقد تراجعت الإدارة الأمريكية عن التهديد بالاستيلاء على الجزيرة بالقوة، لكنها كثفت جهودها السياسية والتجارية لتوسيع نفوذها هناك. وأحد المسؤولين الأوروبيين صرح بأن واشنطن لا تدخر جهداً لتوسيع سيطرتها على غرينلاند، معتبرًا ذلك هجومًا مباشرًا على أوروبا، ولا يزال غير واضح ما سيكون رد الفعل الأوروبي في حال تحقق ذلك.
يُشير خبراء الاتحاد إلى أن غرينلاند أصبحت ساحة رئيسية للمنافسة الجيوسياسية مع الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تشكل التحدي الأكبر للجهود الأوروبية الرامية إلى تعزيز القدرات العسكرية المشتركة كقوة رادعة في حال حدوث هجوم خارجي.
تاريخ الجزيرة وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي
منذ انضمام الدنمارك إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1973، ظلت غرينلاند موضوعًا هامشيًا في الأجندة الأوروبية، على غرار الجزر والأراضي النائية الأخرى. إلا أن عام 1985 شهد خروج الجزيرة من الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء ردّ فيه السكان على سياسة الصيد الأوروبية التي فتحت مياهها أمام أساطيل الدول الأعضاء، ما أثار شعوراً بفقدان السيطرة على مواردها الطبيعية.
مع تصاعد التوترات الجيوسياسية حول القطب الشمالي المتجمد، وتنافس الولايات المتحدة والصين وروسيا على المنطقة، أعادت أوروبا التركيز على غرينلاند، خصوصًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي التي اعتبر فيها الجزيرة ذات أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي.
تحولت غرينلاند إلى نقطة استراتيجية ذات أهمية مباشرة ليس فقط للدنمارك، بل للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بل وحتى في العلاقة المتقلبة بين واشنطن وبروكسل، حيث بدأ البعض يستخدم مصطلح “أوروبا غرينلاند” للإشارة إلى هذا التحول.
الزيارة الأوروبية وتطلعات المستقبل
تظهر الزيارة الحالية للمفوض الأوروبي إلى الجزيرة، برفقة عدد من السفراء ورجال الأعمال وممثلي الشركات الكبرى، أن غرينلاند أصبحت عنصرًا أساسيًا في الأجندة الدبلوماسية الأوروبية. وقد زارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطلع الصيف الماضي، عقب زيارة رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين للجزيرة قبل انتخاب دونالد ترمب لولاية ثانية.
ومن المقرر أن تعود فون دير لاين لزيارة ثانية قبل نهاية العام الحالي، حاملةً حزمة من المساعدات ومشروعات استثمارية طموحة، حسب ما صرّح به مصدر مسؤول في المفوضية.
يُحذّر دبلوماسي أوروبي مخضرم، تابع ملف غرينلاند منذ بداياته، من تحول الجزيرة إلى ورقة استراتيجية في صراع النفوذ بين القوى الكبرى. ويرى أن على الأوروبيين تكثيف جهودهم لجعل العلاقة مع غرينلاند أكثر جاذبية عبر توسيع فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي، خاصةً مع تحول القطب الشمالي إلى ساحة اقتصادية وجيوسياسية تنافس عليها الدول الكبرى.
ويضيف الدبلوماسي أن تراجع المظلة الدفاعية الأمريكية عن أوروبا، إلى جانب تزايد اهتمام الصين وروسيا بالقطب الشمالي وموارده، يستدعي من الاتحاد الأوروبي مراجعة جذرية لعلاقته بالجزيرة ومضاعفة استثماراته فيها.



