معلقون عرب في مونديال 2026: الحماس والثقافة الكروية يجذبان الجماهير الغربية

القاهرة – الأناضول: يخطف المعلقون العرب الأنظار في كأس العالم 2026 المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بعبارات حماسية مميزة مثل «جول.. جول.. جول» و«الله، الله، الله» و«يا لها من ليلة مجنونة» و«واو.. واو.. واو»، التي تنطلق بأصواتهم خلال المباريات، لترسم صورة حية للأحداث حتى لمن لا يشاهد اللقاء، وكأنه يجلس داخل الملعب.
اعتراف غربي بالتعليق العربي رغم حاجز اللغة
في حديث خاص لوكالة الأناضول، أرجع المعلق الجزائري حفيظ دراجي والمعلق المصري محمد الكواليني تميز التعليق الكروي العربي في المونديال إلى عدة عوامل، أبرزها الحماس والثقافة الكروية الواسعة وغزارة المعلومات والقدرة على التفاعل مع أدق تفاصيل المباراة. وأكدا أن التعليق العربي بات يحظى باهتمام عالمي متزايد، معتبرين أن الأجيال الجديدة قادرة على مواصلة هذا الزخم شرط الابتعاد عن التقليد وتطوير أدواتها المهنية والثقافية.
وخلال مباراة إسبانيا وبلجيكا، أبدع دراجي في التعليق على هجمة إسبانية قبل أن تكتمل، قائلاً: «خطيرة.. عرضية.. أوه، جوووول إسبانيا، جووول.. لعبة ولا أروع من الإسبان». ولم يكتف بالحماس، بل أتبع الهدف بمعلومات سريعة عن صاحبه وتأثيره في المباراة.
كما تألق المعلق المصري علي محمد علي في تعليقه على أهداف منتخب بلاده، ففي مباراة مصر وبلجيكا في 15 يونيو، عقب تسجيل إمام عاشور هدف مصر، قال: «سجل يا إمام، سجل يا إمام.. حلوة يا إمام، الله.. الهدف المصري الأول في كأس العالم، روعة، روعة»، ثم وجه حديثه لمهاجم بلجيكا جيريمي دوكو بعبارة عامية حماسية. وفي مباراة مصر أمام نيوزيلندا في 22 يونيو، استبق الهدف بتشويق: «محمد صلاح.. هي لعبتك، هي لعبتك»، وبعد التسجيل أضاف: «ولا يهمنا.. صلاح عندنا، هي لعبتك.. المصري يقدر، ومحمد صلاح يسجل هدفه الجميل.. بص، شوف مصر بتعمل إيه».
وفي اليوم نفسه، خلال مباراة الأرجنتين والنمسا، قدم المعلق اليمني حسن العيدروس تعليقاً دراماتيكياً عقب هدف ليونيل ميسي، قائلاً: «الله، الله، الله.. فليفتح التاريخ ذراعيه، وليشهد العالم على هذه اللحظة، وليدون المجد رقما للخلود. دعني لا أسميك ليو، بل أسميك التاريخ نفسه». وأضاف: «ليو، ليو.. يا من يحطم الأرقام، هل تبقى لك في التاريخ شيء تفعله؟ وهل تبقى لك في التاريخ شيء تكتبه؟ أنت لم تطارد الأرقام القياسية، بل هي من طاردتك».
وفي اليوم التالي، أبدع المعلق العُماني عامر الخوذيري بعد هدف كريستيانو رونالدو الأول في المونديال أمام أوزبكستان، قائلاً: «الله، الله، الله.. كنت أعلم أنك قادم للانتقام، وكنت أعلم أنك سترد على الجميع، على العالم، وعلى المونديال، وعلى المشككين، وعلى أولئك الذين فقدوا الذاكرة». وتابع: «لكل من تساءل، ولكل من نادى، رونالدو يجيب، رونالدو يتحدى، رونالدو يتكلم. يا أيها التاريخ، ضع رونالدو هنا هدافا للبرتغال عبر تاريخها.. يا الله، أي روعة هذه، أنت الوحيد الذي تحتار فيك الكلمات».
دراجي: المشاهد العربي أصبح أكثر انتقائية والجمهور الغربي يبحث عن الحماس العربي
وقال دراجي للأناضول إن التعليق العربي نال قيمة كبيرة لدى المشاهد في السنوات الأخيرة بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي نقلت أداء المعلقين وتفاعلهم مع المباريات إلى جمهور أوسع. وأضاف: «المشاهد العربي أصبح اليوم أكثر انتقائية، إذ يبحث عن المعلق الذي يروق لذائقته ويناسب تطلعاته».
وأشار إلى أن هذا الاهتمام تجاوز النطاق العربي ليمتد إلى الغرب، حيث أصبحت مقاطع التعليق العربي تُتداول بكثرة على منصات التواصل ومواقع إعلام أوروبية تتناولها كظاهرة فريدة. وتابع: «نال التعليق العربي تقديرا لافتا في الأوساط الغربية، رغم أن كثيرا منهم لا يفهمون اللغة العربية، وأعرف أجانب يفضلون الاستماع إلى أصوات المعلقين العرب للاستمتاع بالحماس المصاحب للمباريات، وهذه ميزة تحسب للتعليق العربي».
واعتبر دراجي أن تميز المعلقين العرب في كأس العالم هو استمرار لنهج متراكم، وأن سر هذا الحضور يكمن في الحماس المستمد من طبيعة الإنسان العربي وتفاعله العاطفي مع كرة القدم. ولاحظ تحولاً في اهتمامات الجمهور، حيث كان التركيز في الماضي على المباراة فقط، بينما أصبح المشاهد اليوم يهتم بالمباراة والمعلق على حد سواء، مما زاد حجم المسؤولية والضغوط على المعلقين ودفعهم لمواكبة تطلعات الجمهور المتزايدة.
وعن المستقبل، قال دراجي: «المستقبل مرهون بالجيل الصاعد. لقد وضع جيلنا والجيل الذي سبقنا اللبنة الأولى، لكن المسؤولية ستكون أكبر على الجيل المقبل، الذي قد يواجه تحدي التقليد». وحذر من أن «التقليد يقتل الروح والموهبة والإبداع، ويقضي على جوهر التعليق في حد ذاته». وخلص إلى أن «مستقبل التعليق جزء لا يتجزأ من مستقبل الإعلام وكرة القدم عموما»، معرباً عن سعادته بالاهتمام الجماهيري الواسع، الذي يضع القنوات التلفزيونية أمام مسؤولية منح هذا المجال أهمية أكبر بعد أن أصبح جزءاً أساسياً من متعة كرة القدم.
الكواليني: المدرسة العربية ناجحة بكل المقاييس ومستقبلها مشرق
من جانبه، قال المعلق المصري محمد الكواليني للأناضول إن المدرسة العربية في التعليق قدمت حضوراً ناجحاً خلال كأس العالم الحالي، وأثبتت وجودها بقوة بما تملكه من نكهة ومتعة خاصتين، إلى جانب ما يتميز به المعلق العربي من ثقافة ومعلومات وروح وحماس. وأوضح أن المعلق العربي قادر على جعل المشجع يعيش أجواء المباراة بصورة أكبر، بفضل الحماس الذي يعد سمة أساسية للتعليق العربي ومدرسة أمريكا الجنوبية مقارنة بالتعليق الإنجليزي.
وقال: «المدرسة العربية ناجحة بكل المقاييس، وهي مدرسة متميزة تثبت وجودها يوما بعد يوم». وأشار إلى وجود مدارس مختلفة في التعليق الكروي، أبرزها الإنجليزية والعربية والأمريكية الجنوبية، لكل منها طابعها الخاص. وأوضح أن التعليق الإنجليزي يمتاز بالهدوء وقلة الكلام، وهي مدرسة يفضلها بعض المشاهدين، لكنه يرى أن «الغالبية العظمى تميل إلى التعليق العربي ومدرسة أمريكا الجنوبية، اللذين يتميزان بالحماس وغزارة المعلومات وإدخال عبارات جميلة خلال المباريات».
ووصف الكواليني مستقبل التعليق العربي بأنه «مشرق جدا»، في ظل ظهور جيل من المعلقين المبدعين الذين قدموا أداء متميزاً في المونديال الحالي وساهموا في جعل الجماهير تعيش تفاصيل البطولة. وأكد أن المعلق العربي المعاصر بات موهوباً ومثقفاً ودارساً، سواء في مجالات التدريب أو علم النفس أو قوانين التحكيم، مما يعزز فرص نجاحه في المجال الرياضي.
وقدم الكواليني نصائح للمعلقين الشباب، داعياً إياهم إلى المتابعة الدقيقة للمباريات، والإلمام بقوانين كرة القدم، والقراءة المكثفة في أساليب التدريب. وشدد على ضرورة مشاهدة البطولات المحلية والقارية والعالمية، والاستماع إلى مختلف المعلقين، ورصد الإيجابيات والسلبيات في أدائهم، والاستفادة من النماذج الناجحة والابتعاد عن الأخطاء. واختتم قائلاً: «يجب على المعلق أن يحب المهنة من قلبه، وأن يعيش أجواء المباراة داخل غرفة التعليق وكأنه لاعب في أرض الملعب، أو مدرب، أو حكم. الهدف هو جعل الجماهير تعيش الحدث من خلال الحماس والصوت القوي والكلمات المؤثرة، لتصبح تجربة التعليق متميزة واستثنائية».
أجيال من المعلقين العرب تبني مدرسة خاصة بين المعلومة والعاطفة
وبخلاف الجزائري حفيظ دراجي والمصري محمد الكواليني، تضم قائمة المعلقين العرب أجيالاً عديدة من المبدعين. فمن تونس يبرز عصام الشوالي ورؤوف خليف، ومن الإمارات علي سعيد الكعبي وفارس عوض، ومن سلطنة عُمان خليل البلوشي، ومن السعودية فهد العتيبي. كما قدمت مصر أجيالاً سابقة من المعلقين، بينهم محمد لطيف ومحمود بكر وميمي الشربيني وحمادة إمام، فيما يبرز في الأجيال الأحدث علي محمد علي وأيمن الكاشف وغيرهما.
وارتبطت أسماء عدد من هؤلاء المعلقين بعبارات بقيت عالقة في أذهان الجماهير، ومن أبرزها عبارات عصام الشوالي «مش ممكن.. مش معقول»، و«القاضية ممكن» و«فما حاجة». وبين أصوات الرواد وحماس الأجيال الجديدة، يواصل التعليق الكروي العربي بناء مدرسة خاصة، تجمع بين المعلومة والعاطفة واللغة والإيقاع، لتضيف إلى كرة القدم متعة تتجاوز حدود الملعب.
وتستضيف الولايات المتحدة وكندا والمكسيك النسخة الثالثة والعشرين من كأس العالم لكرة القدم، خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو، بمشاركة 48 منتخباً.



