الرئيسيةعربي و عالميارتفاع تكاليف الإنتاج وشح المياه يهددان...
عربي و عالمي

ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح المياه يهددان استدامة محصول الموز في اليمن

رغم تسجيل إنتاج الموز في اليمن أعلى مستوى له تاريخياً في عام 2024، وفق أحدث البيانات الدولية، يواجه مزارعو هذا المحصول تحديات متصاعدة تهدد استدامة الإنتاج وربحيته، أبرزها شح المياه وتراجع هطول الأمطار والارتفاع الكبير في أسعار الوقود وتكاليف الزراعة. بحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) لعام 2024، بلغ إنتاج اليمن من الموز نحو 135 ألف طن، بزيادة 1.13% مقارنة بالعام السابق، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1961. غير أن هذا الارتفاع لا يعكس تحسناً في أوضاع المزارعين، إذ تكشف شهاداتهم عن ضغوط متزايدة للحفاظ على المحصول.

تحديات المياه والوقود تعصف بالمزارعين

يشكو ثابت محمد العوشقي، مزارع من مديرية موزع غربي محافظة تعز، من تراجع كبير في معدلات هطول الأمطار، ما يشكل تحدياً لزراعة الموز التي تحتاج إلى الري مرة كل أسبوع. وأضاف العوشقي للأناضول: “رغم كل الصعوبات، لا تزال زراعة الموز تمثل وسيلة عيش لنا في ظل هذه الظروف، ولا نتلقى أي دعم من أحد للتغلب على المشكلات التي نواجهها”. وأفادت دراسة صادرة عن وزارة التخطيط اليمنية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في مايو 2024، بانخفاض متوسط هطول الأمطار في البلاد من 409 مليمترات إلى 347 مليمتراً خلال الفترة بين عامي 1979 و2024، أي بنحو 15%. وتزامن ذلك مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة بنحو 0.43 درجة مئوية لكل عقد، وزيادة تراكمية بلغت نحو 1.9 درجة مئوية خلال الفترة نفسها.

المزارعون يعودون إلى الوسائل التقليدية

وحول وسائل التكيف، قال العوشقي إن بعض المزارعين يلجؤون إلى حفر الآبار لتوفير المياه، لكن هذه الوسيلة غير متاحة إلا لعدد قليل نظراً لتكلفتها الكبيرة. ويشكو ثابت سالم، مزارع من مديرية موزع أيضاً، من التحديات التي تواجه مزارعي الموز، قائلاً للأناضول: “نواصل زراعة الموز رغم الصعوبات العديدة، فهي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وحراسة واهتمام مستمرين، إضافة إلى الوقود الذي يكلفنا مبالغ كبيرة”. وأضاف سالم، الذي يملك نحو ألفي شجرة موز: “كنا نستخدم الآلات في حراثة الأرض أثناء زراعة الموز، لكننا توقفنا في الفترة الأخيرة عن استعمالها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، واضطررنا إلى العودة إلى الوسائل التقليدية والحراثة بالثيران”. وتابع: “نواجه شحاً كبيراً في المياه نتيجة انخفاض الأمطار، إضافة إلى استمرار آثار التغيرات المناخية التي يعاني منها اليمن”. واختتم سالم حديثه بالقول: “اليمن يعاني من جفاف كبير، وأسعار الوقود في ارتفاع متواصل، ولم يبق أمامنا إلا التوكل على الله”.

تباين أسعار الوقود وتأثير الانقسام النقدي

في يوليو 2014، قبل دخول جماعة الحوثي إلى صنعاء بنحو شهرين، بلغ سعر جالون الديزل (20 لتراً) نحو 3900 ريال. أما حالياً، فيبلغ السعر الرسمي للجالون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة نحو 30 ألف ريال، ويرتفع خلال بعض فترات الأزمات إلى قرابة 40 ألف ريال نتيجة اضطرابات الإمدادات وتزايد الطلب. في المقابل، يبلغ سعر الجالون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين نحو 10 آلاف ريال. ويعود هذا التباين إلى الانقسام النقدي في البلاد واختلاف سعر صرف العملة، إذ يدور سعر الدولار في مناطق سيطرة الحوثيين حول 530 ريالاً، بينما يبلغ في مناطق الحكومة نحو 1550 ريالاً.

خبراء يحذرون من تهديدات متعددة للقطاع

من جانبه، يرى المهندس الزراعي عماد عبد الباري السامعي أن الموز يعد من أهم المحاصيل الاقتصادية في اليمن ويشكل مصدر دخل لآلاف المزارعين. وأضاف للأناضول أن زراعة الموز لا تزال مستمرة رغم التحديات المتزايدة التي قد تؤثر في ربحية المزارعين. وأوضح أن هذه التحديات تعود إلى تراكم عوامل عدة، في مقدمتها شح المياه واحتياج الموز إلى كميات كبيرة منها مقارنة بمعظم المحاصيل الأخرى، مما يرفع تكاليف الإنتاج، إلى جانب ارتفاع تكلفة ضخ المياه نتيجة زيادة أسعار الوقود والطاقة. وأشار إلى أن زيادة ملوحة المياه والتربة، خصوصاً في المناطق الساحلية، تمثل تحدياً إضافياً نظراً لحساسية أشجار الموز تجاه الملوحة. كما لفت إلى تأثيرات التغيرات المناخية، مثل ارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار والجفاف والسيول، وما تسببه من أضرار للمحاصيل. ونبه السامعي إلى أن القطاع يواجه أيضاً انتشار بعض الآفات والأمراض الزراعية، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج مثل الأسمدة والمبيدات، إلى جانب نقص الأيدي العاملة في بعض المناطق وارتفاع أجورها. وأضاف أن ضعف خدمات الإرشاد الزراعي ونقل التقنيات الحديثة، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بما في ذلك الطرق وشبكات الري نتيجة الحرب، يزيد الضغوط على القطاع. كما لفت إلى صعوبات التسويق والتصدير وارتفاع تكاليف النقل، وارتفاع الفاقد بعد الحصاد، إذ يعد الموز من المحاصيل سريعة التلف، وتتسبب الكدمات وسوء التعبئة أثناء النقل والتداول في تراجع جودة الثمار. ويسهم ضعف مراكز الفرز والتعبئة والتخزين المبرد في زيادة نسبة التلف وانخفاض العائد الاقتصادي للمزارعين، مقارنة بارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويرى السامعي أن قطاع زراعة الموز يمتلك فرصاً كبيرة للتطور والاستمرار إذا توفرت إجراءات داعمة، تشمل إدخال تقنيات الري الحديثة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير منظومة التسويق، في ظل امتلاك اليمن بيئات زراعية ملائمة وخبرة طويلة في إنتاج هذا المحصول. وشدد على حاجة القطاع إلى مزيد من الدعم والتطوير لمواجهة التحديات التي تهدد استدامته وتحسين أوضاع المزارعين. وكان اليمن قد تصدر قائمة منتجي ومصدري الموز عربياً خلال السنوات الخمس السابقة لعام 2007، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء. وتأتي التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في اليمن عامة، ومن ضمنه زراعة الموز، في ظل تداعيات حرب اندلعت عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، قبل أن تتوسع المعارك مطلع عام 2015 مع تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية دعماً للحكومة، بطلب منها. ويشهد اليمن منذ أبريل 2022 تهدئة نسبية في معظم الجبهات، رغم استمرار اشتباكات متقطعة بين القوات الحكومية والحوثيين، دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل ينهي الصراع.