رحيل الأمير حمد بن خليفة آل ثاني.. باني نهضة قطر الحديثة

أعلن الديوان الأميري القطري، الأحد، وفاة الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عاماً، بعد مسيرة قيادية استمرت 18 عاماً شهدت خلالها البلاد تحولاً تنموياً شاملاً. وأفاد البيان الرسمي بأن الوفاة وقعت صباح يوم 27 محرم 1448 الموافق 12 يوليو 2026.
مسيرة حافلة بالإنجازات
يوصف الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بحسب المصادر الرسمية، بأنه أحد القادة التاريخيين لدولة قطر ومهندس نهضتها العصرية. ففي عهده، ارتفع مكان قطر عربياً ودولياً، وانطلقت نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة النطاق. وتضاعف الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 24 مرة، وزاد نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو ستة أضعاف، بينما قفزت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من 11 مليار ريال قطري إلى 403 مليارات ريال.
وُلد الفقيد في العاصمة الدوحة في يناير 1952، وتلقى تعليمه الأولي فيها قبل أن يلتحق بكلية ساندهيرست العسكرية في بريطانيا ويتخرج منها عام 1971. عاد بعدها إلى البلاد وانخرط في القوات المسلحة، وترقى حتى رتبة لواء، وكان له دور محوري في تطوير الجيش القطري عدة وعتاداً، حسب المصادر ذاتها.
في 31 مايو 1977، بُويع ولياً للعهد وعُين وزيراً للدفاع، ثم أصبح في 10 مايو 1989 رئيساً للمجلس الأعلى للتخطيط المسؤول عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتولى مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995، ليبدأ فوراً في تنفيذ إصلاحات تنموية شاملة أحدثت نقلة نوعية في مختلف القطاعات.
النهضة الاقتصادية والاجتماعية
شهدت البلاد في عهده طفرة كبيرة في مجالات التعليم والصحة والرياضة والثقافة والإعلام والبنية التحتية، إلى جانب الاقتصاد والطاقة. ومع بدء تصدير الغاز الطبيعي المسال من حقل الشمال عام 1996، تسارعت إيرادات الدولة، لتصبح قطر عام 2006 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وبلغت طاقتها الإنتاجية 77 مليون طن سنوياً بحلول عام 2010.
في أكتوبر 2001، أُنشئ المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار برئاسته، للإشراف على شؤون الاقتصاد والطاقة والاستثمار وتنويع الاستثمارات المحلية والخارجية بهدف تطوير الاحتياطيات المالية وتنويع مصادر الدخل. ومن أولى قراراته بعد توليه الحكم إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع في أغسطس 1995، لدعم النهضة العلمية والثقافية.
كما رُفعت الرقابة عن الصحافة المحلية في أكتوبر 1995، وأُلغيت وزارة الإعلام عام 1998، مما فتح آفاقاً واسعة لحرية الرأي والتعبير وازدهار الإعلام. وتأسست قناة الجزيرة وانطلقت عام 1996. وفي العام نفسه، بدأت قطر بتوجيهاته تنفيذ خطوات ديمقراطية تمثلت في إجراء أول انتخابات لغرفة تجارة وصناعة قطر، ثم أول انتخابات للمجالس البلدية في مارس 1999، حيث حظيت المرأة بحق الترشح والتصويت لأول مرة في تاريخ البلاد.
الإصلاحات الدستورية والديمقراطية
في 8 يونيو 2004، صدر أول دستور دائم لدولة قطر بعد استفتاء شعبي تاريخي في 29 أبريل 2003، مما أرسى دعائم المجتمع وحقق المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار وضمن الحقوق والحريات. وبموجب الدستور الجديد، أصبح الشعب مصدر السلطات، وأصبح نظام الحكم قائماً على الفصل بين السلطات مع التعاون بينها. كما صدرت في عهده رؤية قطر الوطنية 2030، الهادفة إلى التحول نحو اقتصاد معرفي وبناء دولة متقدمة تحقق التنمية المستدامة.
وشهدت البلاد انفتاحاً اقتصادياً وحضارياً وثقافياً واسعاً، وأصبحت قبلة للمؤتمرات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، وتبوأت مكانة عالية إقليمياً ودولياً. وكان للدبلوماسية القطرية دور رائد في حل النزاعات واحتواء الصراعات في مناطق مختلفة من العالم. ومن نتائج الاستثمارات الطموحة وغير التقليدية أن قطر أصبحت أول دولة عربية وإسلامية تفوز باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، الذي أُعلن عنه في ديسمبر 2010.
حصل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على العديد من الأوسمة من دول عربية وأجنبية، تقديراً لجهوده في تقوية العلاقات الثنائية وتطوير التعاون بين الدول والشعوب. وفي 25 يونيو 2013، أعلن تسليم مقاليد الحكم لولي عهده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر الحالي.
إرث مستمر
وبرحيله، تفقد قطر أحد قادتها التاريخيين، الذي ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في تاريخ البلاد، والتي لا تزال آثارها ممتدة في مسيرة التنمية التي تواصلها الدولة بقيادة الشيخ تميم.



