الرئيسيةعربي و عالميالسرد العابر للوسائط: تعريفه، جذوره وتطبيقاته...
عربي و عالمي

السرد العابر للوسائط: تعريفه، جذوره وتطبيقاته بين الإعلام والتسويق

ظهر مفهوم «السرد العابر للوسائط» في ظل التحولات الرقمية الواسعة وانتشار الإنترنت، حيث أصبح دمج الصناعات الإعلامية أمراً شائعاً. يُقصد بالمصطلح بناء قصة أو عالم سردي موحد يُعرض عبر وسائل إعلامية متعددة، بحيث يضيف كل وسيط جزءاً جديداً يختلف عن ما قدّمته الوسائط السابقة، ولا يقتصر على مجرد نقل المحتوى ذاته.

آلية العمل وتوزيع المحتوى

في هذا الإطار، قد يقدِّم الفيلم جانباً من الحكاية، بينما تُضيف الرواية شخصيات أو أحداثاً لم تُستكشف بعد. تتولى ألعاب الفيديو كشف تفاصيل إضافية، وتستكمل المواقع الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي السرد بامتدادات أخرى. لا تُستكمل الصورة الكاملة إلا عبر متابعة جميع هذه القنوات معاً.

أصل المصطلح وتطوره الأكاديمي

كان الباحث الأمريكي هنري جينكنز هو من صاغ المصطلح في عام 2003، ثم عمّق تعريفه في مؤلفه «ثقافة الاندماج» الصادر عام 2006. أشار جينكنز إلى أن كبرى الشركات الإعلامية لم تعد تقتصر على إنتاج فيلم أو مسلسل منفرد، بل تسعى إلى بناء عوالم سردية تمتد عبر السينما، والتلفزيون، والألعاب، والكتب، والمواقع الإلكترونية، وحتى منصات التواصل الاجتماعي.

توسعات التطبيق إلى مجالات أخرى

مع مرور الزمن، انتقل التركيز من الترفيه وصناعة الأفلام إلى قطاعات متعددة مثل التسويق، والعلاقات العامة، والتعليم، والصحافة، والاتصال السياسي. أصبح الباحثون والممارسون يتناولون حملات اتصال متكاملة تستند إلى منصات متنوعة لسرد قصة مؤسسة، أو علامة تجارية، أو قضية اجتماعية، أو مرشح سياسي، أو حملات توعية.

تمييز السرد العابر عن المفاهيم المشابهة

من الضروري التفريق بين «السرد العابر للوسائط» (الترانسميديا) ومفاهيم أخرى كـ«الاقتباس»، حيث يقتصر الأخير على نقل القصة نفسها من وسيط إلى آخر، مثل تحويل رواية إلى فيلم. أما السرد العابر فيضيف محتوى جديداً في كل وسيلة. كذلك يختلف عن «العرض المتعدد الوسائط» (ملتيميديا) الذي يقتصر عادةً على نشر محتوى واحد بأشكال مختلفة داخل منصة واحدة، بينما يوزع السرد العابر القصة على منتجات ومنصات مستقلة.

في مجال التسويق، تستغل العديد من الشركات هذا النموذج لبناء قصص حول علاماتها التجارية؛ فبدلاً من الإعلانات التقليدية، تنتج أفلاماً قصيرة، ومحتوى تفاعلياً، وألعاباً، ومنشورات على وسائل التواصل تُكمِّل بعضها البعض. أما في الساحة السياسية، فتستعين بعض الحملات الانتخابية بالفيديوهات، والمواقع، ومنصات التواصل، وتطبيقات رقمية لتقديم سرد متكامل عن المرشح أو المشروع السياسي.

على الرغم من الانتشار الواسع للترانسميديا، فإنها تواجه انتقادات عدة. أبرزها الاعتماد المفرط على تفاؤل الباحثين حول قدرة الجمهور على متابعة القصة عبر منصات مختلفة والمشاركة الفاعلة في تطورها. يرى بعض الباحثين أن الكثير من المتلقين يكتفون بوسيلة واحدة ولا يملكون الوقت أو الرغبة للانتقال بين الأفلام، الألعاب، المواقع، ووسائل التواصل لاستكمال القصة.

كما تُنتقد هذه الظاهرة لارتباطها الوثيق بالأهداف التجارية والتسويقية؛ إذ يُشير منتقدوها إلى أن العديد من مشاريع الترانسميديا لا تهدف إلى إثراء التجربة السردية بقدر ما تسعى إلى توسيع الأسواق وزيادة استهلاك المنتجات المرتبطة بالعلامة التجارية أو الامتياز الإعلامي. من هذا المنظور، تُصوَّر كاستراتيجية اقتصادية لتوزيع المحتوى عبر منصات متعددة وتحقيق أرباح إضافية، بدلاً من اعتبارها تحولاً ثقافياً أو سردياً بحتاً.

رغم هذه الاعتراضات، يظل مفهوم الترانسميديا يحتل موقعاً مهماً في الصناعات الإعلامية والثقافية، ويستمر في جذب اهتمام الباحثين كإطار علمي لفهم أشكال السرد والاتصال في البيئة الرقمية الحالية.