الرئيسيةعربي و عالميالذكاء الاصطناعي العربي كأساس لتحويل خدمات...
عربي و عالمي

الذكاء الاصطناعي العربي كأساس لتحويل خدمات الأعمال في دول الخليج

التحديات اللغوية للذكاء الاصطناعي في الخليج

تشهد دول الخليج تحولاً سريعاً يُستَند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طريقة عمل المؤسسات. تتسارع دورات الماليات، ويتجه قسم الموارد البشرية نحو أتمتة شاملة، ويتعمق التحول الرقمي في عمليات الشراء. لم تعد خدمات الأعمال مجرد وظائف إدارية مساندة؛ بل أصبحت منصات مؤسسية متكاملة تجمع بين الكفاءة التشغيلية، والرؤى التحليلية، والمرونة العالية.

ومع هذا الزخم، يبرز عائق هيكلي يحدّ من الطموح؛ إذ لا تزال معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل باللغة الإنجليزية. بينما تُشكّل اللغة العربية في المنطقة الأساس للعقود، والإدارات العامة، والتواصل مع الجمهور، ما يكبح انتشار هذه الأنظمة ويقلل من جدواها الاستثمارية.

أثر النماذج العربية على الجدوى الاقتصادية لخدمات الأعمال

حرزت دول الخليج تقدماً واضحاً في دمج عمليات الإدارة المالية والموارد البشرية وتقنية المعلومات والمشتريات وخدمة العملاء تحت مظلة خدمة مركزية. لم يعد سقف الطموحات مقصوراً على تحسين الكفاءة التشغيلية، بل اتسع ليشمل تقديم خدمات نوعية عالية الجودة. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي هو المحرك الرئيسي لتحقيق هذه الطموحات، فإنه يواجه صعوبات تتعلق باللغة وفهم السياق.

غالباً ما تتغذى النماذج اللغوية الكبيرة في مرحلة التدريب على بيانات إنجليزية. ففي قاعدة بيانات CC100 التابعة لمؤسسة Common Crawl، والتي تُستَخدم في تدريب النماذج اللغوية الشائعة، تستحوذ اللغة الإنجليزية على نحو 82 غيغابايت من النصوص، مقابل 5,4 غيغابايت فقط للغة العربية، رغم أن عدد الناطقين بالعربية يتجاوز أربعمائة مليون شخص. وتزيد تحديات مثل تنوع اللهجات الدارجة، وظاهرة التناوب اللغوي، والتعقيد البنيوي للغة العربية من الفجوة بين القدرات النظرية لهذه النماذج وأدائها الفعلي.

يظهر تأثير هذه التحديات جلياً في مختلف دول الخليج؛ فالمشاريع التجريبية التي تعد بإمكانات واعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتعثر عند محاولة توسيع نطاقها التشغيلي. كما تحتاج روبوتات الدردشة إلى تدخل بشري مستمر، في حين تخطئ أدوات معالجة المستندات في تفسير النصوص وتحليلها، ليتبين أن الأتمتة في صيغتها الحالية مجرد أداة لإعادة توزيع العبء التشغيلي بدلاً من تقليصه. وتشير التقديرات إلى أن النماذج العامة الداعمة للعربية لا تتجاوز دقتها 30 إلى 50% فقط عند التعامل مع النصوص المالية العربية.

لا يعود هذا الخلل إلى ضعف قدرات الذكاء الاصطناعي، بل إلى غياب الكفاءة اللغوية الملائمة لقطاع خدمات الأعمال. وقد نجحت تجارب تقنية أكثر نضجاً، مثل التجربة الصينية، في تقليص هذه الفجوة عبر الاستثمار في تطوير النماذج اللغوية المحلية، وإثراء قواعد البيانات، وتسهيل آليات النشر والتطبيق.

الكفاءات الوطنية كمحرك للتحول المستدام

لا تتوسع التقنية من تلقاء نفسها؛ إذ ترتبط كفاءة منظومة الذكاء الاصطناعي بالكوادر والمواهب البشرية بقدر ارتباطها بقدرات النموذج اللغوي نفسه. وتمتلك المنطقة قاعدة عريضة من الكفاءات الناطقة بالعربية، إلا أن حصر هذه الكوادر في الأدوار التشغيلية الروتينية يحد من أثرها ويقيد إنتاجيتها.

في المقابل، يسهم توظيفها في نقاط التحكم الرئيسية – مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي، وإدارة البيانات، والإشراف على النماذج، وتصميم الخدمات – في تحسين الأداء وتمكين التوسع. تقدم الصين مثالاً واضحاً على هذا النموذج؛ حيث أظهرت مؤشرات وجود فجوة ضخمة بين الطلب المتوقع على المواهب والذي يقارب ستة ملايين متخصص، وبين المعروض الفعلي الذي لا يتجاوز مليوناً واحداً، فسرعت بكين في مضاعفة الاستثمار في التعليم وتحول القوى العاملة. تتولى المؤسسات المتخصصة قيادة المهام البحثية، بينما تعمل الجامعات والمنصات التابعة لشركات مثل بايدو وعلي بابا وتينسنت على تطبيق الحلول ونشرها.

تسير دول الخليج بخطى حثيثة نحو هذا النموذج؛ إذ تتولى مؤسسات رائدة مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي قيادة جهود تنمية الكفاءات، وتبرز فرصة استراتيجية متنامية لتوجيه هذه الجهود نحو التطبيقات المؤسسية الفعلية.

ومن هنا يبرز النموذج الأكثر مرونة واستدامة وهو النموذج الهجين؛ إذ توفر الكفاءات الإقليمية القدرة على التوسع، بينما تتولى الكفاءات الوطنية مهام الحوكمة والإشراف. وفي نهاية المطاف، لن تعتمد الميزة التنافسية على مجرد الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما ستعتمد على القدرة على توطين هذه التقنيات، وحوكمتها، وتشغيلها بأعلى درجات الكفاءة.

من الأتمتة إلى الميزة التنافسية المستدامة

لا تحتاج دول الخليج إلى محاكاة النموذج الهندي القائم على التعهيد أو النموذج الأوروبي القائم على خدمات التعهيد من مناطق قريبة جغرافياً. إذ تكمن ميزتها التنافسية في الكفاءة السيادية للدول، وسرعة تطوير البنية التحتية، والقدرة على مواءمة السياسات مع رأس المال والطلب.

يظل تحويل هذه المقومات إلى ميزة تنافسية مستدامة مرهوناً بإجراء تغييرين جذريين في بنية المنظومة. أولهما، يجب التعامل مع نظم الذكاء الاصطناعي المصممة باللغة العربية بوصفها بنية تحتية أساسية تشمل منظومة البيانات، والنماذج اللغوية، والقدرات الحوسبية، وآليات الحوكمة، وصولاً إلى دمجها الكامل في تدفقات العمل اليومية. وبدون هذا المنظور الشامل، ستبقى نظم الذكاء الاصطناعي مجزأة وغير قادرة على تحقيق أثر ملموس.

ثانيهما، يجب إعادة توجيه استراتيجية القوى العاملة من دور المشاركة إلى دور التحكم، وذلك عبر توظيف الكفاءات الوطنية في أدوار تحدد آليات تشغيل هذه النظم، بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ عمليات مطوّرة خارجياً. ستكون المحصلة النهائية نموذج تشغيل مختلف؛ بحيث تعمل منصات خدمات الأعمال على معالجة وتنفيذ العمليات باللغة العربية، وتُصمَّم بقيادة الكفاءات في نقاط التحكم المناسبة، لتتحول بذلك من مراكز تكلفة إلى أصول استراتيجية.

وبذلك تملك دول الخليج فرصة استثنائية لقيادة هذا التحول عالمياً، من خلال بناء منظومة ذكاء اصطناعي تتسم بالحوكمة الفعالة، والقدرة على التكييف المحلي، والموثوقية في بيئات التشغيل الواقعية.