استقرار أسعار النفط وسط تصاعد التوترات وتراجع المخزونات الأمريكية

سجلت أسواق النفط استقراراً في أسعار البترول يوم الأربعاء، على خلفية تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار تدعمها لتوقعات انخفاض المخزونات الأمريكية.
تحركات الأسعار في الأسواق العالمية
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار ربع دولار، أي ما يعادل 0.27٪، لتسجل 91.70 دولاراً للبرميل. وفي الوقت نفسه، سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي ارتفاعاً بمقدار 23 سنتاً، أي 0.26٪، ليصل إلى 88.43 دولاراً للبرميل.
وكانت الأسعار قد شهدت صعوداً في وقت سابق نتيجة لتجدد الاشتباكات بين الطرفين، قبل أن تنخفض قرب إغلاق الجلسة السابقة.
تحليل السوق من قبل الخبراء
أشار تاماس فارغا، المحلل لدى شركة “بي في إم”، إلى أن تراجع المخزونات العالمية يعزز مستويات الأسعار، في حين أن انخفاض واردات الصين من النفط الخام يحد من صعود الأسعار إلى مستويات أعلى، إضافة إلى تقييد حركة الشحن عبر مضيق هرمز. وأضاف: “من الصعب التوفيق بين غياب القلق الفوري وتفاقم الصراع المستمر في أهم منطقة منتجة للنفط على مستوى العالم”.
وأوضحت بريانكا ساشديفا، كبيرة محللي السوق في شركة “فيليب نوفا”، أن الغارات الأخيرة أعادت تركيز المتداولين على مخاطر الحرب واحتمال انقطاع الإمدادات. وذكرت: “بينما تستمر الجهود الدبلوماسية، أدخلت المناوشات العسكرية الأخيرة عنصر المخاطر الجيوسياسية إلى أسواق النفط”.
التطورات الجيوسياسية وتأثيرها على الإمدادات
شنّ الجيش الأمريكي غارات على أهداف إيرانية عقب تعهد الرئيس دونالد ترمب يوم الثلاثاء بالرد على إسقاط مروحية أباتشي هجومية أمريكية. وأعلنت طهران أنها ستستأنف الأعمال العدائية إذا استمرت إسرائيل في استهداف ميليشيا حزب الله في لبنان.
في الوقت ذاته، أخلّفت رفض إسرائيل إنهاء عمليتها ضد حزب الله المدعوم من طهران جهود ترامب لتوسيع وقف إطلاق النار المتقلب في الصراع الأمريكي الإسرائيلي الأوسع مع إيران، وتحويله إلى حل دائم.
تستمر إيران في إغلاق معظم الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إنتاج العالم من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، بينما تفرض واشنطن حصاراً خاصاً على الموانئ الإيرانية.
أفاد وزير الطاقة الأمريكي يوم الثلاثاء بأن حركة السفن في الخليج وصادرات النفط عبر المضيق تشهد ارتفاعاً، رغم سعي الطرفين إلى اتفاق لإنهاء صراعهما المستمر لأكثر من ثلاثة أشهر.
البيانات الأمريكية للمخزونات والصفقات الإقليمية
أظهر تقرير معهد البترول الأمريكي أن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة انخفضت للأسبوع الثامن على التوالي، كما تراجعت مخزونات البنزين.
في خطوة غير مسبوقة، باعت الإمارات كميات كبيرة من نفط الخليج للتحميل خلال الأشهر المقبلة، مما يمثل أول عطاء من هذا النوع منذ اندلاع الحرب مع إيران. وأفادت مصادر تجارية أن ما لا يقل عن 14 مليون برميل من خامات إماراتية، تشمل “زاكوم العلوي” و”أم اللولو” و”داس”، قد بيعت عبر مناقصة أُغلقتها نهاية الأسبوع السابق.
من جانب آخر، مرت الناقلة القطرية للغاز الطبيعي المسال “الظعاين” بسلام عبر مضيق هرمز، وفقاً لبيانات تتبع السفن، رغم التوترات التي تهدد اتفاق سلام أوسع بين الولايات المتحدة وإيران. وقد رُصدت الناقلة شرق سلطنة عُمان في رحلة متجهة إلى الصين، بعد توقفها عن بث إشارتها في 5 يونيو عندما كانت راسية قرب رأس لفان في الخليج العربي.
تحديثات اقتصادية أمريكية وصينية
تراجع بنك جولدمان ساكس عن توقعه لخفض أسعار الفائدة الأمريكية في 2026، مستنداً إلى قوة سوق العمل التي تجاوزت التوقعات. مدد البنك مواعيد آخر خفضين محتملين إلى يونيو وديسمبر 2027، مخالفاً توقعاته السابقة التي حددت ديسمبر 2026 ومارس 2027.
مع ذلك، لا يزال رفع الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي غير محتمل، إذ يشير ديفيد ميريكل، كبير الاقتصاديين في البنك، إلى أن التضخم أقل عرضة للرسوخ. جاء ذلك بعد أن فاق نمو الوظائف في مايو جميع التوقعات، ما يعزز احتمالية رفع الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب مع إيران.
من جهة أخرى، انخفض العجز التجاري الأمريكي في أبريل إلى 55.9 مليار دولار، مقارنةً بـ 56.1 مليار دولار المتوقعة، مع ارتفاع الصادرات بنسبة 2.6٪ مدفوعاً بزيادة 60٪ في صادرات النفط الخام، إلى جانب ارتفاع شحنات زيت الوقود والمنتجات البترولية الأخرى. ارتفعت الواردات بنسبة 2٪، بقيادة واردات أجهزة الكمبيوتر وأشباه الموصلات.
تسببت الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز في عرقلة تدفقات النفط بالمنطقة، مما دفع الأسعار للارتفاع. في أبريل، سجلت الولايات المتحدة صادرات نفطية قياسية وفقاً لإدارة معلومات الطاقة، إلى جانب زيادة شحنات البنزين والديزل ووقود الطائرات.
أثر الصراع على الإنتاج في الكويت وتدخل السعودية في اليمن
تسعى مؤسسة البترول الكويتية لاستعادة 80٪ من إنتاجها المتوقف بسبب الحرب مع إيران خلال أقل من شهر، بينما يتطلب استعادة النسبة المتبقية من ثلاثة إلى أربعة أشهر. وقد سجلت الكويت ثاني أكبر تراجع في الإنتاج بالمنطقة بعد إيران، حيث انخفض الإنتاج من 490 ألف إلى 310 آلاف برميل يومياً، أي أقل من خُمس مستويات ما قبل الحرب.
وأشار الشيخ نواف الصباح، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمؤسسة، إلى أن خفض الإنتاج تم بصورة مدروسة لتلبية الاستهلاك المحلي فقط، مع توجيه بعض المشتقات إلى أسواق الخليج، مبرزاً ما وصفه بـ “اقتصاداً مصغراً” داخل المنطقة.
من جانب آخر، قدمت المملكة العربية السعودية دعمًا كهربائيًا لليمن بقيمة 150 مليون دولار على شكل مشتقات نفطية، لتأمين تشغيل محطات توليد الكهرباء في مختلف المحافظات. تم توقيع الاتفاقية برعاية رئيس مجلس الوزراء اليمني د. شائع الزنداني، ومشاركة وزير الكهرباء والطاقة اليمني المهندس عدنان الكاف والسفير محمد آل جابر، المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
تشمل المشتقات الموردة الديزل والمازوت، وتغذي أكثر من 70 محطة كهرباء في اليمن، ما يساهم في استقرار إمدادات الكهرباء ودعم القطاعات الحيوية المرتبطة بالطاقة.
الاقتصاد الصيني وتراجع واردات النفط
سجلت صادرات الصين نمواً تجاوزت التوقعات، حيث ارتفعت بنسبة تزيد عن 19٪ في مايو مقارنةً بنفس الفترة من العام الماضي، مسجلة أعلى معدل نمو خلال ثلاثة أشهر، وفقاً لبيان الإدارة العامة للجمارك. وقد فاقت الزيادة توقعات الاقتصاديين التي بلغت 15٪.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت الواردات بأكثر من 27٪ في مايو، ما أسفر عن فائض تجاري وصل إلى 105.4 مليار دولار، وهو الأعلى منذ يناير. وأشار هاو تشو، كبير الاقتصاديين في “غوتاي جونان إنترناشيونال هولدينغز”، إلى أن النمو القوي للصادرات يعكس استمرار الطلب على المعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وربما تسريع بعض الطلبات الخارجية في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
من ناحية أخرى، وصلت واردات الصين النفطية إلى أدنى مستوى لها في ثماني سنوات، نتيجة لاضطرابات الحرب التي قللت الإمدادات، حيث انخفضت واردات الخام إلى نحو 33 مليون طن في مايو، أي ما يعادل 7.8 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 2017. وقد كان متوسط الاستيراد السنوي في 2025 حوالي 11.6 مليون برميل يومياً.
استمرت الصين في تعزيز احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، بينما اعتمدت مصانع التكرير على المخزونات المتاحة لديها بدلاً من استيراد شحنات جديدة. وخفضت المصافي المملوكة للدولة معدلات التكرير إلى مستويات تاريخية منخفضة، مع بقاء صادرات الوقود مقيدة بإجراءات الحرب للحفاظ على الإمدادات المحلية.



