الرئيسية›عربي و عالمي›إعادة تقييم تقاعد الأكاديميين: الحفاظ على...
عربي و عالمي

إعادة تقييم تقاعد الأكاديميين: الحفاظ على المعرفة الوطنية كمورد مستدام

إشكالية تهميش الخبرة الأكاديمية

في الفترة الأخيرة لاحظت بعض الجهات الأكاديمية تضييق دائرة الاستفادة من الخبرات المتراكمة، سواء عبر التخفيض التدريجي أو عبر وضع معايير تقود إلى استبعاد من كان بإمكانه أن يظل مصدر دعم للمؤسسة وللأجيال القادمة.

قيمة الخبرة التراكمية والاستثمار الوطني

يحمل عضو هيئة التدريس الذي يمضي عقوداً في الخدمة أكثر من مجرد شهادة أكاديمية؛ فهو يمتلك ذاكرة مؤسسية ومعرفة متراكمة وخبرة في التدريس والبحث والإدارة واتخاذ القرار. كثير من هؤلاء يتولون مناصب إدارية ويشاركون في اللجان والمجالس، ويسهمون في وضع البرامج والأنظمة والمشاريع والمبادرات. essi يمثلون ثمار استثمار وطني استمر لسنوات في التعليم والتدريب والابتعاث وتطوير القدرات العلمية والبحثية والقيادية. لذا فإن منع الاستفادة منهم لا يشكل خسارة للمؤسسة فحسب، بل يُعدّ نكوصاً عن جزء من الثروة المعرفية الوطنية التي تراكمت عبر الزمن.

نماذج عالمية ومقترحات للاستفادة المستمرة

تظهر مفارقة أن الأكاديمي قد يبقى يشارك في صنع القرار حتى آخر يوم من خدمته، ثم يتغير ارتباطه بالمؤسسة بشكل كبير بعد التقاعد. المقترح ليس الاحتفاظ بالمزايا الوظيفية، بل ضمان بقاء الصلة الأكاديمية والوصول إلى الموارد مثل المكتبات وقواعد البيانات والمنصات البحثية، وإتاحة المشاركة في الفعاليات العلمية والاستشارية وفق قواعد واضحة.

بعض الجامعات العالمية، ولا سيما في كندا والولايات المتحدة، أطراً تسمح لبعض الأساتذة المتقاعدين المؤهلين بمواصلة البحث والإشراف على الدراسات العليا والنشر والمشاركة في المشروعات والاستشارات والتحكيم، ما يثبت أن انتهاء الوظيفة لا يلغي القيمة. يمكن توسيع الاستفادة على الصعيد الوطني ليشمل طلبة المرحلة الثانوية عبر توفير أنشطة إثراء علمي، وإرشاد أكاديمي ومهني، وتشجيع البحث والابتكار، وإشراف على مشاريع طلابية، وتحديد المواهب، وإعدادهم للتخصص الجامعي، وذلك دون إرجاع المتقاعدين إلى المناصب التنفيذية أو إعاقة فرص الشباب، بل من خلال نموذج انتقائي يراعي الكفاءة والقدرة على العطاء والقيمة المضافة، محققاً تكاملاً بين حيوية الجيل الجديد وخبرة الجيل السابق.

مسؤولية صنّاع القرار تكمن في اعتبار الأكاديمي المتقاعد رأس مال معرفي وتعليمي وبحثياً ووطنياً، وبناء إطار مرن يسمح له بالمساهمة في التدريس والبحث والدراسات العليا ونقل المعرفة والإرشاد والمشاركة في اللجان النوعية. تكريم الخبرة لا يكون عبر حفل الوداع أو الدرع التذكاري، بل من خلال استمرار الاستفادة منها. بناء جيل جديد لا يتطلب إبعاد الجيل السابق عن الساحة، بل تمكين newcomers من الاستناد إلى ما حققه السابقون والانطلاق منه إلى آفاق أعمق. لذلك، يطرح مسؤولو السياسات سؤالاً جوهرياً: هل يجب تحديد موعد لانتهاء خدمة الأكاديمي، أم التركيز على كيفية الحفاظ على الاستفادة من خبرته بعد تقاعده؟ قد تنتهي الوظيفة بقرار رسمي، غير أن المعرفة التي تراكمت عبر عقود من الاستثمار في التعليم والبحث والتجربة تبقى ذات قيمة ولا يجب اعتبارها منتهية.