الرياض تحتل المرتبة 92 عالمياً في تصنيف التجمعات الابتكارية لعام 2026

دخلت الرياض لأول مرة قائمة أكبر cento تجمع ابتكاري في العالم، وحلت في المركز 92 وفقًا لتصنيف التجمعات الابتكارية للعام 2026 الذي أصدرته المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO). هذا الترتيب ليس مجرد رقم إضافي في سجل العاصمة، بل يطرح سؤالاً اقتصادياً جوهرياً حول كيفية انتقال المدينة من مرحلة جذب رؤوس الأموال إلى بناء بيئة قادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة ملموسة.
المركز 92 عالمياً ودلالته
التصنيف لا يقيس فقط حجم الاقتصاد أو حجم المشروعات، بل يركز على كثافة النشاط الابتكاري عبر ثلاثة محاور رئيسية: طلبات براءات الاختراع الدولية (PCT)، والمنشورات العلمية، وصفقات رأس المال الجريء. هذه العناصر تكشف عن مدى قدرة المدينة على ربط إنتاج المعرفة بالابتكار الذي يصل إلى الأسواق ويولد منتجات وشركات جديدة.
محركات التصنيف: براءات، منشورات، رأس المال الجريء
سجلت منظومة الابتكار في الرياض 419 صفقة لرأس المال الجريء، وهو رقم يعكس اهتمام المستثمرين بالأفكار عالية المخاطر والمرتفعة إمكانات النمو. هذا الاتساع في النشاط يشير إلى وجود بيئة تتزايد فيها الفرص القابلة للتحول إلى شركات ومنتجات وأسواق.
في parallel، قدمت الرياض 162 طلباً دولياً لبراءات الاختراع، ما يدل على تحول في بنية الاقتصاد المعرفي. براءة الاختراع ليست مجرد حماية قانونية؛ بل يمكن أن تصبح أصلاً معرفياً واقتصادياً قابلاً للترخيص والتطوير، وقد تكون نقطة انطلاق لمنتج جديد أو شركة ناشئة أو حتى صناعة كاملة.
من الناحية البحثية، برزت جامعة الملك سعود، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وجامعة الأمير سلطان كمراكز للنشر العلمي، بينما ظهر حضور قوي لشركتي سابك وأرامكو في الجانب الصناعي والابتكاري. وفقًا لبيانات WIPO، تتصدر جامعة الملك سعود النشر العلمي داخل تجمع الرياض، وتتصدر SABIC Global Technologies طلبات براءات الاختراع الدولية (PCT). هذا التكامل بين الأكاديمية والصناعة والمستثمر والسوق هو جوهر ما يخلق التجمعات الابتكارية الكبرى عالمياً.
من الاستثمار إلى إنتاج المعرفة
خلال السنوات الماضية، شهدت الرياض توسعاً كبيراً في الاستثمارات والمشروعات الكبرى، وجذبت شركات ومقار إقليمية ورؤوس أموال ومواهب. لكن المرحلة الأعمق تكمن في تحويل هذه الكثافة الاستثمارية إلى قدرة محلية على إنتاج المعرفة والتقنية والابتكار.
الاقتصاد الذي يعتمد فقط على جذب رأس المال يسأل: كم استثمرنا؟ بينما اقتصاد المعرفة يضيف سؤالاً أكثر أهمية: ماذا أنتج هذا الاستثمار من معرفة وتقنية وشركات ومنتجات جديدة؟ هذا التحول يتماشى مع الاتجاه العام لرؤية السعودية 2030 نحو تنويع القاعدة الاقتصادية، وتعزيز البحث والتطوير والابتكار، وتنمية القطاعات المستقبلية.
الرؤية المستقبلية: من الـ92 إلى الخمسين
إذا كان دخول قائمة المائة يمثل بداية، فإن الطموح الطبيعي هو التقدم داخلها. الوصول إلى أفضل خمسين ليس هدفاً رسمياً معلناً، لكنه أفق تنافسي يمكن أن تقيس من خلاله الرياض سرعة تطور منظومتها الابتكارية.
لوصول إلى مستويات أكثر تقدماً، يرى الكاتب أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خمسة مسارات مترابطة:
- تسريع نقل التقنية (Tech Transfer) بحيث لا تبقى نتائج البحوث داخل الجامعات والمراكز البحثية، بل تتحول إلى شركات منبثقة ومنتجات قابلة للنمو والمنافسة.
- رفع القيمة التجارية للبراءات، إذ لا يكفي عدد البراءات بل قدرتها على الوصول إلى السوق وصناعة قيمة اقتصادية وفتح مجالات استثمار وصناعات جديدة.
- جذب المواهب العالمية والاحتفاظ بالمواهب الوطنية، لأن المدن المبتكرة تتنافس على العقول كما تتنافس على رؤوس الأموال.
- تعميق الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص ورأس المال الجريء لتصبح العلاقة مؤسسية ومستدامة، وتوفير طريق أقصر من الباحث إلى المستثمر وتدفق مستمر من التقنيات القابلة للتحول إلى أعمال.
- قياس العائد الاقتصادي من الابتكار، بحيث لا يُقاس النجاح بعدد الأبحاث والبراءات والصفقات فقط، بل بما تنتجه من شركات عالية النمو وتقنيات قابلة للتصدير ووظائف معرفية وإيرادات ناتجة عن الملكية الفكرية.
إن المدن لا ترسخ موقعها على خريطة الابتكار بحجم ما تنفقه فقط، بل بقدرتها على تحويل رأس المال إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة. الرياض اليوم لا تحتفي بالمرتبة 92 باعتبارها نهاية الطريق، بل تبدأ منها مرحلة أكثر طموحاً؛ مرحلة لا تكتفي باستقطاب رأس المال والتقنية، بل تنتج المعرفة، وتطور التقنية، وتحول الابتكار إلى صناعة واقتصاد.
الاختبار الحقيقي للسنوات القادمة ليس مجرد البقاء ضمن المئة، بل إلى أي مدى تستطيع الرياض التقدم داخلها؟ وكم تستطيع أن تحول من المعرفة إلى قيمة اقتصادية تُصنع في الرياض وتتنافس بها العالم؟



