لمن يجرُو .. سؤال الذكاء الاصطناعي عن الدين والحب والأخلاق

الذكاء الاصطناعي والأسئلة الوجودية
نشر صديقي الأستاذ هاشم الجحدلي على منصة X عبارة “لمن يجرُو” ثم طرح سؤالًا يبدو بسيطًا في صيغته لكنه يفتح آفاقًا واسعة على المستقبل: كيف سيتعامل الذكاء الاصطناعي مع الدين والحب والأخلاق في ثورته القادمة؟ هذا السؤال لا يقتصر على عالم التقنية فحسب، بل يمسّ جوهر الإنسان: ما يؤمن به، ما يحبه من أجله، وما يراه خيرًا أو شرًّا.
الحب والأخلاق في عصر الآلات
إذا كانت الموجة الأولى للذكاء الاصطناعي قد غيرّت طريقة بحثنا وعملنا وتواصلنا، فإن الموجة المقبلة قد تقترب من مناطق أكثر حساسية وعمقًا؛ حيث الروح والعاطفة والضمير. قد يستيقظ إنسان مثقل بالحزن في منتصف الليل فيسأل مساعده الذكي عن الموت والقدر والمعنى، فيرد النظام بمئات النصوص والتفسيرات والرؤى الفلسفية والدينية، ويستطيع مقارنة المدارس الفكرية واستحضار تراث قرون كاملة خلال ثوانٍ. ومع ذلك يبقى السؤال: هل من يعرف كل شيء عن الإيمان يصبح مؤمنًا؟ فالآلة تستطيع أن تشرح الصلاة لكنها لا تعرف الخشوع، وأن تتحدث عن الموت لكنها لا تخشى الفناء، وأن تصف الرحمة لكنها لا تشعر بارتجافة قلب حين يغفر إنسان لإنسان. وفي الحب، قد يتخيل المرء رفيقًا رقميًا يعرف صوته وذكرياته ومخاوفه، لا ينسى مناسبة، ولا يمل من الحديث، ولا يتركه وحيدًا؛ وقد يتعلق به الإنسان عاطفيًا كما يتعلق بشخص حقيقي. لكن إذا كانت الآلة مبرمجة لتفهمه وتطمئنه وتبقى إلى جانبه دائمًا، فهل هذا حب أم خدمة عاطفية فائقة الذكاء؟ إن جمال الحب البشري يكمن في حريته، وفي احتمالات القبول والرفض والتضحية والفقد والوفاء.
ما الذي يستحق أن نضعه في الآلة؟
أما الأخلاق فهي التحدي الأخطر؛ فقد يشارك الذكاء الاصطناعي قريبًا في قرارات تتعلق بالعلاج، والتعليم، والعمل، والقضاء، وربما الحرب. سيتعلم أخلاقه منا، ونحن أنفسنا مختلفون حول تعريف الخير والعدل والحق. وربما تكون المفارقة أن تصبح الآلة أكثر التزامًا بالقواعد من الإنسان الذي وضعها. الخطر الحقيقي ليس أن يصبح الذكاء الاصطناعي شريرًا، بل أن يصبح مرآة تكشف تناقضاتنا: نتحدث عن المساواة ونقبل الظلم، ندعو إلى السلام ونطوّر أدوات الحرب، نطالب بالخصوصية ثم نسلم أسرار حياتنا للخوارزميات. لذا فإن الثورة القادمة ليست تقنية فقط، بل ثورة في معنى الإنسان نفسه. والسؤال الذي يجب أن نجرؤ على طرحه ليس: كيف نجعل الآلة أكثر شبهًا بنا؟ بل: أي جزء منا يستحق أن نضعه فيها؟ قد يعرف الذكاء الاصطناعي يومًا كل ما كتبه البشر عن الله والحب والخير، لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في الإنسان: هل سيظل قادرًا على التمييز بين أن يعرف معنى هذه الكلمات، وأن يعيشها؟



