الرئيسيةكتاب و آراءدوائر الفقر والنفط والسياسة: قراءة في...
كتاب و آراء

دوائر الفقر والنفط والسياسة: قراءة في رواية عبدالله القفاري

تبدأ الرواية التي يحملها القارئ في رحلة تشبه تدحرج كرة الثلج، تتصاعد فيها أحداث البطل وتتشابك مع تفاصيل بيئية ملموسة تعكس واقعنا اليومي، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى التجربة الأدبية العربية التي عشناها في قراءاتنا الأولى. يبدأ المسار من موطنه في بريدة، ثم ينتقل إلى الرياض، يمر عبر الظهران إلى بيروت ودمشق، ثم يعود إلى الظهران مرة أخرى قبل أن يتجه إلى بغداد، ليختتم مساره في قريته الأصلية هويلان حيث يلقى حتفه.

نشر الرواية ومحتواها الضخم

تُطلق الرواية تحت عنوان “دوائر الفقر والنفط والسياسة” للكاتب السعودي عبد الله القفاري، وقد صدرت عن دار نور حوران للدراسات والنشر والتراث في دمشق. تتجاوز الصفحات الأربعمائة، ما يجعلها عملاً مكثفًا يتطلب صبرًا وإصرارًا في زمنٍ شهدت فيه صناعة النشر تقليصًا ملحوظًا. استغرق المؤلف يومين فقط لإكمال القراءة، مع فترات راحة متقطعة، مستندًا إلى تجارب اجتماعية نادرة لا تُسجَّل في الذاكرة الجمعية، بل تُنقل شفهيًا عبر رواة القصص أو تُستخلص من نصوص المؤرخين والمستشرقين.

السياق الأدبي وتأثيره

يُذكر أن الكاتب عبد الرحمن منيف كان حاضرًا في مجالس الأدب بأعماله مثل “مدن الملح” التي تناولت تاريخ المملكة، وخلفه جيل من الأدباء السعوديين الذين سعت رواياتهم إلى الجذور المحلية. من بين هؤلاء تركي الحمد بأعماله “الشميسي” و”شرق الوادي”، وموسى النقيدان بـ”الهدام” و”حارس البئر”، وكذلك عبد الله البخيت مع “شارع العطايف”. سبقهم في ذلك إبراهيم الحميدان الذي ركّز مشروعه الروائي على بيئة نجد، إلى جانب عبد العزيز مشري في “الوسمية” و”زهور تبحث عن آنية”، وأحمد أبودهمان في “الحزام”، ويحيى أم قاسم في “ساق الغراب”، وعبده خال في “الموت يمر من هنا”، وغيرهم ممن أبدعوا في تصوير محلياتهم.

محاور الرواية ومفهوم البطل

تجمع هذه الأعمال حساسية فائقة تجاه ما يحيط بالبطل، حيث يطرح تساؤلات حول محيطه ويستجوب الظواهر من حوله، ما يولد في ذهنه مزيجًا من الطموح والشوق إلى المجهول، إلى جانب الأمل والحب والحنين إلى الجذور. ينسج القفاري هذه المشاعر في نصٍ يحمل عنوانًا جذابًا، ولو لم يُصنَّف تحت نوعية الرواية لكان من الممكن أن يُدرج ضمن الكتب الفكرية أو السياسية التي تستكشف مسارات تاريخية من القرن الماضي.

الملامح التاريخية والسياق السياسي

تُصوِّر الرواية سيرة “سليمان الحويلاني” في إطار يتقاطع مع أحداث عام 1956، عندما اندلع العدوان الثلاثي على مصر وزار الرئيس جمال عبد النصر مدينة الظهران، ما أتاح للشباب فرصة فتح مقاهي وركوب الدراجات، وتخفيف سلطة رجال الحسبة، إلى جانب وقوع مقتل الملك فيصل وتداعيات ذلك. يدمج القفاري حوارًا بين سليمان وعلي الصفي يتناول تأثير الحرب العالمية الثانية، ودور النفط، وصعود التيارات القومية. كما تُستعرض لقاءات مع شخصيات جدلية، مثل عبدالله القصيمي في مقهى على شارع الحمراء ببيروت، وتتناول قضايا “أرامكو” والنفط والاحتجاجات الطبقية داخل المؤسسات.

يتخلل السرد وصفًا لحياة سليمان بين البيئتين النجدية القصيمية والعقيلات، حيث يلتقي سعاد ابنة عقيلي في دمشق، ويتزوجها، ثم ينتقلان إلى المنطقة الشرقية لتنشئتهما أسرة. يصف القفاري تأثير رجال العقيلات الذين أدخلوا إلى بريدة الراديو والملابس الفاخرة والحرير والمجوهرات والأواني الحديثة. يختتم الجزء الأخير من الرواية بمرحلة من التأمل والنقد، حيث يستعرض المؤلف رؤيته للحقبة التي كانت موضع نقاش، ويقترح منظورًا جديدًا يختلف عن السابق.

تُعَدُّ هذه الرواية وثيقة غنية تستحق دراسة نقدية شاملة تشمل بنية السرد، الزمان والمكان، الحوار، تطور الشخصية، الحبكة والصراع، بل واللغة المستخدمة. إن من يختص في النقد الأدبي قد يجد فيها مادةً وفيرةً لتسليط الضوء على مكونات العمل وتقييمه على نحوٍ عميق.